الإطار التشريعي للحق في التنظيم في الأردن

284

 ورقة عمل معدّة تحضيراً للحملة الوطنية من أجل مراجعة القوانين الناظمة للحق في التجمع والتنظيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإطار التشريعي للحق في التنظيم في الأردن : الدستور، قوانين الجمعيات، الأحزاب، العمل

د. سليمان صويص

رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

تشرين الثاني 2013

   ” 1 ـ لكل شخص الحق في حرية الإشتراك في الإجتماعات والجمعيات السلمية.

     2 ـ لا يجوز إرغام احد على الإنتماء إلى جمعية ما.”

المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

” يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به. ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلاّ تلك التي تفرض طبقاً للقانون وتشكّل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام او حماية الصحة العامة أو الآداب العامة او حماية حقوق الآخرين وحرياتهم”.

المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

” 1 ـ لكل فرد الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والإنضمام إليها من اجل حماية مصالحه.

  2 ـ لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلاّ تلك التي ينص عليها القانون وتشكّل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة او النظام العام أو حماية الصحة العامة او الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق.

 3 ـ ليس في هذه المادة أي حكم يجيز للدول الاطراف في إتفاقية منظمة العمل الدولية المعقودة عام 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية الحق في التنظيم النقابي إتخاذ تدابير تشريعية من شأنها، أو تطبيق القانون بطريقة من شأنها، أن تخلّ بالضمانات المنصوص عليها في هذه الإتفاقية “

المادة 22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

 

” 1 ـ للأردنيين حق الإجتماع ضمن حدود القانون.

   2 ـ للأردنيين الحق في تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية على ان تكون غايتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف أحكام الدستور.

  3 ـ ينظم القانون طريقة تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية ومراقبة مواردها.”

المادة 16 من الدستور الأردني بعد تعديل 2011

” لا يجوز أن تنال القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات من جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها. “

المادة 128 من الدستور الأردني بعد تعديل 2011

تؤكد النصوص المذكورة أعلاه بأن الحق في الإجتماع والحق في تشكيل الجمعيات والنقابات والأحزاب معترف بها في الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وفي الدستور الأردني المعدّل في عام 2011.

المشكلة تبدأ عندما نبدأ في مراجعة وتفحّص بنود القوانين التي سنّها المشّرع الأردني لترجمة وتفصيل كيفية ممارسة المواطن الأردني للحق المنصوص عليه في الدستور.

  • قانون الجمعيات رقم 51 لسنة 2008

حلَ هذا القانون محل قانون الجمعيات والهيئات الاجتماعية رقم 33 لسنة 1966 وتعديلاته، وذلك بعد أن إزداد عدد وأنواع الجمعيات وتطور عملها عبر العقود السابقة. وبدلاً من تخفيف القيود والشروط التي كان يفرضها القديم على تأسيس الجمعيات وعملها، عمل القانون الجديد على الحفاظ على هذه القيود والشروط، وتفصيلها أو بتعبير آخر “تطويرها”، بحيث تشدّد السلطات الإدارية والسياسية قبضتها أكثر على تأسيس الجمعيات وعملها !

إن مراجعة العديد من مواد القانون الصادر في عام 2008 وتحديداً من 3 إلى 24 (بإستثناء المادتين 13 و 22) تظهر بجلاء مدى التحكّم والرقابة اللتين تفرضهما الجهات الرسمية على الجمعيات. فالترخيص لجمعية لا يتم إلاّ بعد تقديم طلب إلى مراقب سجل الجمعيات “على الأنموذج المعتمد لهذه الغاية”، مرفقاً بقائمة باسماء الأعضاء المؤسسين وبياناتهم الشخصية، والنظام الأساسي الذي يحدّد القانون الأحكام الواجب ورودها فيه. ويبتّ الوزير المختص في الطلب. صحيحٌ أنه يجوز الطعن برفض هذا الوزير الموافقة على طلب التسجيل أمام محكمة العدل العليا، لكن تخطّي هذه العقبة، بإفتراض إستقلالية القضاء، لا يحول دون خضوع الجمعية الوليدة للأشكال الأخرى من الرقابة والسيطرة على عملها وحركتها، إذا لم تكن تحظى بقبول الجهات الأمنية.

إذن لا يمكن لجمعية أن تعمل بدون المرور بإجراءات تسجيل طويلة وتفصيلية قبل أن يصدر مراقب السجل ” شهادة تسجيل” الجمعية.

مثال آخر : بموجب المادة 16 يجب على هيئة إدارة الجمعية أن تقدم إلى الوزارة خطة العمل السنوية، وتقرير سنوي يتضمن إنجازات الجمعية وأنشطتها في السنة السابقة، ومصادر إيراداتها وأوجه الإنفاق وقائمة سنوية بأسماء الأعضاء المنتسبين. أما المادة 17 فتفرض على الجمعية أن تعلن في تقريرها السنوي عن أية منح أو تبرعات حصلت عليها. وإذا رغبت الجمعية في الحصول على أي تبرّع أو منحة أو تمويل مهما كانت صورته من أشخاص غير أردنيين فيجب عليها تقديم طلب إلى الوزير المختص لأخذ موافقة مجلس الوزراء. وبخلاف ذلك تتعرض الجمعية لإجراءات وعقوبات وتدابير منصوص عليها في القانون. وأخيراً ـ وليس آخراً ـ يجوز للوزير المختص تعيين هيئة إدارة مؤقتة للجمعية كما أنه يجوز له حلّها (مع إمكانية الطعن بقرار الحل أمام محكمة العدل العليا).

  • قانون الأحزاب السياسية لسنة 2012

حلَ هذا القانون محل قانون الأحزاب السياسية رقم 19 لسنة 2007. حافظ القانون الجديد على المنظور الأمني نفسه الذي كان يعتمده القانون السابق في فهمه للأحزاب السياسية . فالاشتراطات لتأسيس حزب سياسي لها أول وليس لها آخر، بدءاً من عدد الأعضاء المؤسسين الذين يجب أن لا يقلّ عددهم عن الخمسمائة شخص من سبع محافظات، وعلى أن لا تقلّ نسبة النساء بينهم عن 10 % ونسبة المؤسسين من كل محافظة عن 5 %. صحيحٌ أن المادة السابعة قد أعطت الحق لخمسة من الأردنيين على الأقلّ بإخطار الجهات الرسمية عن الرغبة بالتحضير لتأسيس حزب، لكن هذه الفترة التحضيرية محصورة بستة أشهر، يجب بعدها أن يلتزم المؤسسون بجميع الشروط الواردة في القانون ـ إذا ما أرادوا الحصول على الترخيص الرسمي. وتتضمن المواد 8، 10، 11، 13، 15، 25، 33، و35 على العديد من الشروط المعقدة والقيود والعقوبات التي تحدّ عملياً من رغبة المواطنين في تشكيل أحزاب، أو حتى في الإنضمام إليها.

  • قانون العمل رقم 8 لسنة 1996

أفرد هذا القانون المواد من 97  إلى 136 لتفصيل كيفية ممارسة الحق في تأسيس نقابات العمال ونقابات أصحاب العمل، وممارسة الحق في الإضراب. لا يشذّ هذا القانون عن القانونين السابقين الخاصين بالجمعيات والأحزاب ؛ فهو ـ مثلهما ـ يضع بيد الوزارة المعنية ـ وهي هنا وزارة العمل ـ صلاحيات واسعة تتعلق بالموافقة على طلب تسجيل نقابة أو مراقبة ميزانيتها وحساباتها ومصروفاتها وأسماء العاملين فيها، والحق في حلّها (بعد منح الحق بالطعن في قرار الحلّ أمام القضاء).

من الواضح أن أية مقارنة بين الإجراءات والاشتراطات التي تتضمنها القوانين المذكورة أعلاه والمعايير الدولية الواردة في الإتفاقيات الدولية حول الحق في حرية التجمع والتنظيم سوف تظهر مدى تعارض تلك الإجراءات مع هذه المعايير. يبرز هذا التعارض بشكل واضح ومحدد في المجالات التالية :

1 ـ حرية التأسيس

تتعارض الإجراءات والإشتراطات التي يتطلبها التأسيس وإكتساب الشخصية الإعتبارية مع المعايير الدولية ؛ فالإتفاقيات الدولية كفلت حرية إنشاء الجمعيات والأحزاب والنقابات دون قيود، بما فيها الترخيص أو التسجيل المسبق أو أخذ الإذن. يتم إكتساب الشخصية الإعتبارية بمجرد إعلام السلطة الإدارية بالتأسيس (علم وخبر). وإذا كان بالإمكان مراجعة القضاء المختص والطعن بقرار السلطة الإدارية برفض التأسيس، فإن ذلك لا يشكل ضمانة
أكيدة، لأن القوانين أجازت للسلطة الإدارية رفض التأسيس لأسباب متعددة نصت عليها. هذه الأسباب لا تتفق وحرية التجمّع التي كفلتها الإتفاقيات الدولية. فكيف عندما يحاط تأليف الأحزاب بشروط كثيرة وصعبة كما هو حال قانون الأحزاب السياسية لسنة 2012 ؟

2 ـ حلّ التنظيم 

حلّ الجمعية أو الحزب أو النقابة لا يكون إلاّ بقرار من الجمعية العمومية وفق ما ينص عليه النظام الأساسي للمنظمة، أو بقرار من القضاء المختص، ولا يجوز أن ينفّذ الحلّ إستناداً لقرار صادر عن السلطة الإدارية أو السياسية. والملاحظ أن هذه السلطة تتمتع بصلاحية حلّ التنظيم لأسباب حددّتها القوانين ويمكن التوسع جداً في تأويلها. غير أنه يمكن، وفقاً لهذه القوانين، الطعن في قرار الحلّ أمام القضاء المختص. ومرة أخرى، يتعارض ذلك مع نص وروح الإتفاقيات الدولية، خاصة المادتان 21 و 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المذكورتان أعلاه. وإذا ما عدنا، على سبيل المثال، لمعايير مجلس أوروبا في مجال حرية الجمعيات، فسوف نجد بأنه ” لا يمكن إلغاء الشخصية الإعتبارية للمنظمات الأهلية إلاّ على خلفية الأفعال الطوعية لأعضائها أو هيئتها الإدارية في حال المنظمات الأهلية غير القائمة على العضوية ـ أو في حالة الإفلاس أو عدم النشاط لفترة طويلة أو الإتيان بسوء سلوك خطير” (راجع توصيات اللجنة الوزارية رقم 14 /2007 إلى الدول الاعضاء حول الوضع القانوني للمنظمات الأهلية في أوروبا ؛ تبنتها اللجنة الوزارية في 10 تشرين الأول 2007 في الإجتماع ال 1006 لنواب الوزراء).

3 ـ حرية الإنضمام والإنسحاب

يملك الشخص، من الناحية المبدئية، حريةالإنضمام إلى الجمعية أو الحزب أو النقابة، والإنسحاب منه/منها. أما بالنسبة للنقابات العمالية فهناك شروط لا تتعلق فقط بتصنيف المهنة، بل وأيضاً بحرمان بعض الفئات من تكوين نقابات تدافع عن مصالحها، ويأتي في طليعة هؤلاء الموظفون في القطاع العام. إضافة لذلك هناك شرط الجنسية حيث لا يستطيع العامل، من غير الجنسية الأردنية، من الإنضمام إلى النقابات العمالية. وفقاً للمعايير الدولية فإن الإنضمام إلى التنظيم حرّ شرط التقيّد بنظامه. وفيما يتعلق بالنقابات العمالية، تجدر الإشارة إلى أن الإتفاقية الدولية بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي الصادرة عن منظمة العمل الدولية منذ عام 1950، تعطي الحق في مادتها الثامنة “للعمال ولأصحاب العمل دون تمييز من أي نوع، الحق في إنشاء ما يختارونه هم أنفسهم من منظمات، ولهم كذلك، دون أن يرتهن ذلك بغير قواعد المنظمة المعنية، الحق في الإنضمام إلى تلك المنظمات، وذلك دون ترخيص مسبق” (كتاب “الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان” ص 536 ـ دار الشروق، القاهرة، 2003).

يمكن أن نضيف هنا ما سبق وأن طرحه العديد من النقابيين ونشطاء حقوق الإنسان فيما يتعلق بالنقابات المهنية، إذ أن إلزامية العضوية في هذه النقابات تتعارض مع البند الثاني من المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمثبّت نصها في مقدمة هذه الورقة.

4 ـ حق التنظيم في وضع نظامه الأساسي

من المعايير الدولية لحرية التجمّع حق التنظيم بوضع نظامه الأساسي، مع مراعاة ما تتطلبه الديمقراطية والشفافية والنظام العام والسلامة العامة، وحقه في تعديل نظامه دون تدخّل السلطة الإدارية. وبالعودة إلى القوانين الثلاثة المذكورة أعلاه نرى أنها فرضت على الجمعيات والأحزاب والنقابات وضع الكثير من التفاصيل في أنظمتها، وبخاصة بالنسبة للشؤون المالية، ونصّت على ما يجب أن يتضمنه النظام الأساسي. وإذا كان في ذلك إيجابية لجهة ضبط عمل التنظيم وتحمّل المسؤولية والشفافية، فإنه يفسح في المجال من جهة أخرى أمام السلطات الرسمية للتدخّل في شؤون التنظيم لدرجة ان تعديل النظام الأساسي لا يكون نافذاً إلاّ بعد موافقة الوزير المختص (المادة 14 الفقرة 6 ج 2 من قانون الجمعيات لسنة 2008).

5 ـ التدخّل في شؤون التنظيم.

من المعايير الدولية لحرية التجمّع عدم تدخّل السلطة الإدارية أو السياسية في شؤون التنظيم وترك ذلك للهيئة الإدارية وللهيئة العامة، وفق ما ينص عليه نظامه الأساسي . إلاّ أن مراجعة القوانين الثلاثة موضع البحث تبيّن أن هناك إمكانية للتدخّل في شؤون الجمعيات والأحزاب والنقابات. من بين أشكال هذا التدخّل إعطاء الجهة الإدارية المختصة الحق في تعيين ـ بقرار منها ـ عضواً أو أكثر في الهيئة الإدارية للجمعية، وضرورة إبلاغ الجهة الإدارية المختصة بكل إجتماع للهيئة العامة قبل إنعقاده بخمسة عشر يوماً، وبالبنود الواردة في جدول الأعمال، كما أن لهذه الجهة أن تنتدب من يحضر الإجتماع (وزارة الداخلية تنتدب ضابطاً من الأمن العام). وكذلك وجوب تزويد الجهة الإدارية بصور عن محضر إجتماع الهيئة ونتائجه، وأسماء أعضاء الهيئة الإدارية المنتخبة من الهيئة العامة مع معلومات تفصيلية عن كل عضو. ويصل الأمر بقانون الجمعيات إلى إنه يعطي الحق للوزير المختص في أن يعيّن هيئة إدارية لأية جمعية إذا أصبح عدد أعضاء الهيئة الإدارية لا يكفي لإنعقادها بنصاب قانوني !

إن المنظمات الأهلية هي العمود الفقري للمجتمع المدني في جميع الدول التي تتمتع بنظام ديمقراطي. وهي بأعدادها الكبيرة ووفرة نشاطاتها تسهم في لعب أدوار محورية بالتكامل مع مؤسسات الدولة وسلطاتها المختلفة، في عدد كبير من الوظائف والميادين أبرزها : التطور والتنمية البشرية المستدامة، وتنمية اهتمام المواطن بالشأن العام، وتفعيل طاقات أفرادها وصقلها وتوجيهها وتأمين الديمومة المؤسساتية لها واستقلالها وتعزيز الديمقراطية وثقافتها ومكافحة الفساد في الدولة والمجتمع وتقوية المجتمع المدني ورفع سويّته السياسية والثقافية.

لكن الشرط الأساس لكي تقوم المنظمات الأهلية بإدوارها تلك هو أن تتمتع بالحرية والإستقلال التامّين في عملها، بعيداً عن رقابة وتدخّل السلطات الحكومية ؛ أي بمعنى آخر، أن تحكمها قوانين تنسجم مع المعايير الدولية الواردة في الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. وفي حالتنا الأردنية هل يمكن البدء برحلة تخليص منظمات المجتمع المدني من الهيمنة الرسمية من خلال اللجوء إلى المادة 128 من الدستور الأردني والمثبّت نصها في مقدمة هذه الورقة ؟ هل يمكن البدء بعملية الطعن بدستورية القوانين الثلاثة المتعلقة  بالجمعيات والأحزاب والنقابات إستناداً إلى كون العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قد أصبح جزءاً من النظام القانوني الوطني منذ أن نشر في الجريدة الرسمية الاردنية ؟ من سيعلّق الجرس ؟ نحن بحاجة ماسة للبدء فوراً في حملة وطنية مستمرة للمطالبة بمراجعة جذرية للقوانين الحالية

المشاركة