الاحتجاجات الشعبية العربية ما بين الانظمة الجمهورية والملكية

268

الاحتجاجات الشعبية العربية ما بين الانظمة الجمهورية والملكية

  • سليمان صويص الأردن

يتساءل بعض المراقبين للثورة العربية الراهنة، في أقطارها المختلفة،عن مغزى إندلاع الاحتجاجات الشعبية في الأقطار العربية ذات الأنظمة الجمهورية بصورة أساسية، ويلاحظون ـ عن حق ـ بأن الشعار الغالب في تلك الأقطار هو “الشعب يريد إسقاط النظام”، في حين أن مثل هذا الشعار لا يسمع ـ وغالباً لا يطرح ـ في الأقطار ذات الأنظمة الملكية (ونقصد بالتحديد الأقطار غير النفطية)، وتستعيض القوى السياسية المعارضة وجماهير المتظاهرين عنه بشعار آخر وهو “الشعب يريد إصلاح النظام”.

للوهلة الأولى، ربما يعتقد الكثير من الناس بأن “الهوّة” كبيرة بين المطالبة ب “إسقاط” النظام في الجمهوريات و “إصلاحه” في الممالك. لكن إلقاء نظرة فاحصة على واقع هذه الأنظمة كافة وإخضاع المطالب الشعبية فيها لتحليل دقيق سوف يظهر بما لايدع مجالاً للشك بان اهداف التحركات الاحتجاجية متقاربة جداً، إن لم تكن متطابقة.

القاسم المشترك بين الأنظمة الجمهورية والملكية هو غياب الديمقراطية الحقيقية وضعف  ـ إن لم يكن غياب ـ الحريات العامة بحدها الأدنى (خاصة في أقطار مثل ليبيا وسورية)، وإنتشار الفساد المالي والإداري على نطاق واسع، وعدم القدرة على معالجة مشكلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية الأكثر إلحاحاً، مثل الفقر والبطالة وغلاء تكاليف المعيشة ومشكلات الاجيال الجديدة من الشباب.

هذه المشكلات موجودة بحدة ـ ولكن بتفاوت أيضاً ـ في جميع الأقطار التي تشهد تحركات احتجاجية أو ثورية، سلمية كانت ام عنيفة. على صعيد آخر، علينا أن نلاحظ التشابه ـ إن لم نقل التطابق ـ بين الأهداف التي تريد الجماهير الوصول إليها من خلال تحركاتها : الحرية والديمقراطية وتطبيق القانون وحكم المؤسسات وإستقلال القضاء والشفافية ومكافحة الفساد والفقر والبطالة، وإيجاد حلول ناجعة لمشكلات الشباب والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

إذن ما الذي يجعل الشعوب تطالب ب “إسقاط طالنظام في الجمهوريات، و”تتواضع” مطالبتها إلى مستوى “إصلاحه” في الممالك ؟

في إعتقادنا بأن للمسألة بعض الجذور التاريخية : فالأنظمة الجمهورية التي كانت تزعم في يوم من الأيام بأنها “ثورية وتقدمية وإشتراكية”، أجزلت الوعود لشعوبها بتحقيق الحرية والوحدة والتقدم والعدالة وتحرير فلسطين إلخ… وعليه، حلّقت تلك الأنظمة بشعوبها في سماء أحلام وردية كبيرة. ولما جاءت “لحظة الحقيقة”، بعد عقود من الحكم، اكتشفت تلك الشعوب بأن شيئاً من الوعود السابقة لم يتحقق. بل جاءت الحصيلة بما هو أسوأ بكثير : أنظمة دكتاتورية استبدادية قائمة على حكم أجهزة المخابرات، مغرقة في الفساد وتنسج وشائج تجارية ومصلحية مع القوى الأجنبية المعادية ؛ والأنكى من ذلك كله انها لا تعرف كيف تتعامل مع شعوبها إلا بلغة القمع الدموي.. أي وجدت الشعوب بأن الفارق بين الوعود وبين ما هو على أرض الواقع كالفارق بين الأرض والسماء، ولذلك لم يكن أمامها، لتجاوز هذا الواقع المخيّب للآمال، إلا السعي ل “إسقاط النظام” !

أما الأنظمة الملكية، فهي لم “تكبّر” حجر وعودها لشعوبها، لا بل هي في الواقع لم تعد بأشياء كثيرة ؛ أقصى ما كانت تطمح إليه هو أن تغضّ الشعوب الطرف عن “تبعية” هذه الأنظمة للأجنبي وعمالتها له. كانت شعاراتها عامة :”تحقيق التنمية، تطبيق الدستور والقوانين، تطوير التعليم والصحة وتوفير فرص العمل إلخ…”. أما على أرض الواقع فلقد كانت ممارساتها في مجال الفساد او قمع الحريات والحقوق وقوى المعارضة شبيهة بممارسات الأنظمة الجمهورية، ولكن بصورة “ناعمة” وأقل فظاظة. وعندما أدّى التراكم النوعي لنضالات الشعوب وقواها السياسية المعارضة على مدى عقود إلى “تغيّر” نوعي يفتح الطريق امام تطور كبير في واقع البلاد السياسي والاجتماعي، فإنها وجدت نفسها تطرح منطقياً شعار “إصلاح النظام”، لأن هذا ـ من وجهة نظرها ـ قابل للتحقيق، وهو القادر على إحداث نقلة نوعية في طريقة حكم البلاد دون اللجوء إلى وسائل العنف، ولإدراكها العميق أيضاً بأن أنظمة الحكم الملكية مدعومة بقوة من جانب القوى الكبرى الغربية، بحيث ستحول دون سقوطها ـ أو إسقاطها ـ ولكنها لن تقف أمام المطالبات الشعبية الواسعة بإصلاحها ودمقرطتها. بإختصار، الأنظمة الملكية لم تعد شعوبها بالمستحيلات أو بالأحلام الوردية والشعارات البراقة ح وعندما أفاقت هذه على الواقع القائم اليوم، والمتصادم مع تطورات الحياة والعصر، لم تفاجأ كثيراً، ولذلك أخذت تطالب بالاصلاح، إعتقاداً منها أنه في “متناول اليد”.

لكن ذلك لا يعني بأن شعوب الأنظمة الملكية سترضى بأنصاف الحلول، أو بحلول وهمية، ظاهرها الاستجابة لمطالبها الاصلاحية وجوهرها الإبقاء على الاوضاع الحالية، ولكن “بحلّة جديدة”، مثلما يجري التخطيط لذلك في بعض الممالك. فهذه الشعوب هي الأخرى، فاض فيها الكيل، كما يقال، ولم تعد تحتمل استمرار استغلالها ونهب ثروات بلادها عبر أشكال الفساد المختلفة. والأكثر من ذلك، انها لم تعد تصبر على تهميشها وإقصائها عن المشاركة في صنع القرار أو الضحك على ذقونها تحت دعاوى “ضرورة تكاتف جهود الجميع من أجل خدمة الوطن وحل مشكلاته”. إن صنع القرار لا يزال حكراً على فئة محدودة لا تمثل غالبية الشعب بالرغم من المحاولات الحثيثة لتسويق “ديمقراطية” تعرف الأنظمة جيداً أنها وسيلة لتشويه إرادة الشعوب.

المشاركة