الحرّية أساس توفير الأمن

382

الحرّية أساس توفير الأمن

  • د. سليمان صويص*

أصبح مفهوماً الآن لماذا أراد المفوّض العام لحقوق الإنسان في المركز الوطني، د. موسى بريزات تدشين صفحة “حقوق الإنسان” الجديدة في “الرأي” بمقالة طويلة عن “حرية التعبير في الأردن : التوازن المفقود بين الحرية والأمن” (صحيفة “الرأي” في 3/8/2015). قبل اسبوعين من صدور التقرير السنوي الحادي عشر لحالة حقوق الإنسان في الأردن لعام 2014 عن المركز الوطني، والذي أشار بوضوح إلى وقوع “إرتدادات في مسألة حرية التعبير”، كان لا بد من التمهيد وتحضير الأذهان لإعطاء تفسيرات ـ ونكاد نقول تبريرات ـ لهذا التراجع الذي أصاب حرية التعبير، وهو، على أية حال، لم يكن التراجع الوحيد خلال عام 2014، كما سوف يلاحظ كل قارئ للتقرير المذكور.

من الصعب علينا هنا أن نفنّد اطروحات د. بريزات حول “الحرية والأمن”، وأن نبرز بالتفصيل التناقضات التي وقع فيها المقال في مواقع عديدة، لأن الأستاذة معدّة الصفحة تمنّت علينا أن يكون التعليق قصيراً، هذا إن نُشر! لكننا بالمقابل نتمنى على “الرأي” وعلى مركز الرأي للدراسات أن يفتحا المجال أمام مناقشات معمّقة حول هذا الموضوع الذي لا يحتمل “توليفات” توفيقية، فقط من أجل “إبراء الذمّة” تجاه مبادئ حقوق الإنسان والنظام السياسي في آن واحد !

من أجل التخفيف من وقع التراجع الخطير في حرية التعبير، يحاول د. بريزات الإيهام بأن “التحدي” لا يقتصر على الأردن، بل يشمل “غيره من الدول”. والحقيقة أن هذا “التحدي” لا يواجه إلاّ الدول التي لا تسير على نهج واضح تجاه حقوق الإنسان، وتفضّل أن ترى كل شيء من ثقب الأمن، أو بتعبير آخر لا ترى من حقوق الإنسان إلاّ ما هو “غير متعارض” مع “أمنها”. الأمثلة كثيرة في التاريخ البعيد والقريب، ونكتفي بالتذكير بنظام زين العابدين بن علي، كمثال واحد من بين أمثلة كثيرة، الذي اعتقد لعقود بأن “الأمن” هو الحل السحري لبقائه، فكانت النتيجة سقوطه. أما التطوّر الآخر الذي يجب أن يدفع الأنظمة الواثقة من نفسها إلى إعتماد الحرية أولاً (وليس الأمن أولاً) فهي هذه الثورة العالمية في تكنولوجيا المعلومات والإتصال ووسائل التواصل الإجتماعي بحيث أصبح من الممكن الوصول إلى أية معلومات وتبادلها ونشرها، حتى لو أراد هذا النظام او ذاك إخفائها.

نحن لا نقول بأن د. بريزات يدعو صراحة أو مباشرة إلى تقديم الأمن على الحرية، فالوفاء لمنصب “المفوّض العام لحقوق الإنسان” قد يُعرّضه لإحراج إن فعل ذلك ! لكن نظرية البحث “عن التوازن المفقود بين الإثنين هي التي تثير الريبة، فهي ـ كما رأينا في حالات سابقة عديدة موثّقة في تقارير حقوق الإنسان ـ مدخلٌ لتبريرات كثيرة طالما لجأت إليها الحكومات من أجل الدفاع عن قيود وتقييدات وقمع لحريات الرأي والصحافة والإعلام والفكر لا يمكن في الحقيقة الدفاع عنها. نشتّم أيضاً نفساً تبريرياً آخر عندما يتساءل د. بريزات فيما إذا كان المجتمع الأردني ديمقراطياً قبل أن يُحكم على الدولة فيما إذا كانت ديمقراطية أم لا ــ وكأننا نعود إلى مقولة “كما تكونوا يُولّى عليكم !”، متجاهلين الدور الكبير للسياسات والتشريعات والممارسات الحكومية في دفع هذا المجتمع أو ذاك إلى التطوّر السياسي والثقافي والإقتصادي والإجتماعي.

الحرية أولاً … الحرية أخيراً : الدول والمجتمعات القوية المتماسكة الراسخة هي تلك التي تُبنى على أساس الحرية.. هذا ما تعلّمنا إياه تجارب التاريخ، بما في ذلك التجارب الفاشلة المعاصرة لبعض مجتمعاتنا العربية ؛ لقد وصلت هذه إلى ما وصلت إليه من تفكك وحروب ومآسٍ أساساً بسبب غياب الحريّة والمواطنة، وسيادة القمع والإستبداد وإصرار بعض الأنظمة على مصادرة الحقوق الأساسية للمواطنين، والإعتقاد بأن الحل الأمني هو الذي يوفّر البقاء الأبدي للنظام السياسي.

المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نتغنى به، نصها كما يلي ـ للتذكير ـ : “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في إعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما إعتبار لحدود”. وحتى عندما جاءت المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لتجيز إخضاع الحقوق الواردة في نص الإعلان العالمي ل “بعض القيود”، فإنها اشترطت “أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية”، لإحترام حقوق الآخرين وسمعتهم ولحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، بالمعنى الحصري للكلمة، وليس بالمعنى الفضفاض والمطاط الذي تلجأ إليه حكومات عديدة لتبرير فرض القيود على المعارضة السياسية والآراء المعارضة بشكل عام.

ربما يتفق معنا د. بريزات بأن الحكومات الأردنية كانت تسعى خلال السنوات الماضية جاهدة ل “التخلص” من هوامش الحرية، في التعبير وغيرها، التي فرضها واقع تكنولوجيا المعلومات والربيع العربي لاحقاً. الحكومات والبرلمان الذي تتمتع فيه الحكومات باغلبية مريحة لا تتعامل مع حرية التعبير كمسألة “فنية” تريد أن “توازن” فيها بين الحرية والأمن ؛ هي تتعامل معها بكل جديّة كمسألة سياسية، تبحث من ورائها عن “سد الأبواب” التي تعتقد بأنها قد تجلب لها “المتاعب” [ ترجم : تقوية المعارضة السياسية والشعبية لسياساتها] ـ حتى لو كان الثمن الدوس على أبسط حريات الرأي والمعتقد والتعبير والإعلام. وإلاً فما معنى “تطنيش” الحكومات والبرلمان للتحذيرات التي اطلقتها منظمات حقوق الإنسان والمركز الوطني لحقوق الإنسان عند طرح مشروع القانون المعدّل لقانون ما يسمى “منع الإرهاب”، العام الماضي، والذي ينطوي على إنتهاكات خطيرة لحريات المواطنين وحقوقهم ؟ ! وأين إحترام نص المادة 128 التي استشهد بها د. بريزات نفسه (سنّ أي قانون يجب أن لا يمس جوهر الحق الذي ينظمه هذا القانون) ؟ الأمثلة التي قد نوردها على تجاهل الحكومات لنصوص الدستور ولإرادة الشعب كثيرة، ولكننا نريد الإختصار.

المدخل الصحيح والمفتاح لفهم السياسة الأردنية الغامضة في مجال حقوق الإنسان، وبالتالي إدراك كيفية التعامل معها، يبدأ من الإقرار بأنها سياسة برسم “الإستهلاك الخارجي”، وموجهة من أجل رسم صورة مشرقة للدولة تسهّل معها الحصول على القروض والمساعدات وخدمة الأهداف السياسية؛ فالإلتزام بحقوق الإنسان، حتى وإن كان نفاقاً، أصبح من “متطلبات” السياسة الدولية. أما على الصعيد الداخلي، خاصة على صعيد السياسات الفعلية والتشريعات والممارسات، فهذا شأن آخر، يتقاطع أحياناً مع إحترام حقوق الإنسان ويتعارض معها في كثير من الإحيان، بالضبط لأن “الهاجس” الأمني ـ بالمعنى الفضفاض للكلمة ـ هو الذي يوجّه مجمل المواقف والقرارات. وإلاً كيف نفسر الإنتقادات العديدة التي توجه للأردن في تقارير ومراجعات ومحافل عديدة دورياً بالرغم من الإحتفاء بحقوق الإنسان على صعيد التصريحات والخطابات؟ وكيف نفسّر إنتهاء العديد من المناقشات في الندوات وغيرها حول حقوق الإنسان، والتذمّر من تدهور أوضاعها،  بالقول ان الأساس هو “توفّر الإرادة السياسية” في هذا المجال؟ (وتوفرها حتى الآن لا يزال لفظياً على أية حال). ونتساءل في ضوء ذلك، على سبيل المثال : هل كسر الإضرابات العمالية وفض الإجتماعات العامة بالقوة ـ كما وقع عام 2014 ـ عزّز الأمن في البلاد ؟ وهل كان إعتقال صحفيين ومصادرة معداتهم ومنع نشر مقالات وحجب معلومات عن الرأي العام وإعتقال نشطاء سياسيين وتعذيبهم ومحاكمتهم بتهم باطلة في محاكمات لا تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة…كل ذلك كان لصالح تقوية أمن البلاد أم لإضعافه ؟ لماذا تشعر الدولة بأنه “كلما حصل المواطن على حيز جديد من الحرية كأن ذلك ينتقص من أمنها؟” ، كما كتب ذات يوم الوزيرالمرحوم د. عبدالرحيم ملحس.

الدولة مفهوم ومؤسسة تشتمل على المجتمع (المواطنون) والنظام السياسي ؛ لكن الذي جرى ويجري هو أن النظام السياسي ألحق المجتمع والشعب به، ولم يترك لهما حيزاً لممارسة إرادته الحرة والتعبير عنها (يكفي للتأكد من ذلك مراجعة القوانين الناظمة للحق في التجمع والتنظيم، دون إغفال قانون الإنتخاب!). لذلك يخلط الذهن الشعبي بين الحكومة والدولة ؛ فهو عندما يتحدث عن الدولة يقصد الحكومة والعكس صحيح، حيث لا فرق بينهما بالنسبة له.

خلاصة الأمر : إن البحث عن “توازن مفقود” بين الحرية والأمن جهد ضائع يقود إلى التيه، أو إلى طريق مسدود في أفضل الأحوال، بالرغم من النوايا الحسنة. فالدولة “أداة” لضبط أمور المجتمع والبلاد، وهي تميل غالباً للحد من كل ما تعتقد بأنه يتعارض مع “مصالحها”. ولا يحدّ من تغوّل هذه الأداة وجبروتها إلاً وجود مجتمع مدني وسياسي فاعل يضع نصبه عينيه تعزيز حقوق وحريات المواطنين. أما المهتمّ بالدفاع عن حقوق الإنسان فهو معني بتطوير الوسائل التي تؤمّن الوصول إلى تلك الحقوق وصيانتها من التلوّث والتشويه اللذين قد يلحقان بها. الحرية تسبق الأمن في جميع الحالات، لأن توفّرها بالمعنى الحقيقي والعميق هو الذي يوفّر الأمن. نحن ندرك بأن هذا الطرح يلقى معارضة من منطلقات خاطئة قصيرة النظر وأهواء ومصالح مختلفة. لكننا نتمسك به وسنظل ندافع عنه، ليس فقط لأننا ندافع عن حقوق المواطن الأردني، بل ولأننا على وجه الخصوص نريد الخير والأمن والسلام لبلدنا ولمجتمعنا. وعلينا أن نتعظ مما وقع لغيرنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

المشاركة