الذكرى ال 64 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

512

مداخلة د. سليمان صويص، رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان في ندوة “تقييم أوضاع حقوق الإنسان في الأردن خلال العام 2012”

بمناسبة الذكرى 64 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

ملتقى محامي البلقاء / السلط ـ 11/12/2012

درجت العادة أن تحيّ الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان ذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في العاشر من كانون الأول من كل عام، بإصدار بيان تستذكر فيه الأهمية التاريخية لهذا الإعلان والمعاني والمضامين العظيمة التي يحملها، وتستعرض فيه التطورات العالمية والإقليمية والمحلية على صعيد حقوق الإنسان، وتعطي الجمعية رأيها في تلك التطورات.

في هذا العام، أردنا أن ننحو أسلوباً مختلفاً، وهو أن لا يُحصر الإحتفال بالذكرى على العاصمة عمّان والتي تزدحم فيها الفعاليات الثقافية على مدار العام وليس فقط في هذه المناسبة. ومن هنا كانت الرغبة في تنظيم هذه الفعالية في السلط، لا كجمعية فقط، بل بالشراكة والتعاون مع ملتقى محامي البلقاء، وهو تعاون نأمل أن يتطور وأن يتعمّق في مجال حقوق الإنسان. نعتقد بأن الإحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان يجب أن لا يقتصر على المنظمات الحقوقية وأهل القانون وحسب، بل ومنظمات المجتمع المدني والمواطنين كافة.

أما الميزة الأخرى لإحتفالنا هذا العام، فهو إختيارنا لموضوع الندوة، بالشراكة طبعاً مع الملتقى، وهو تقييم أوضاع حقوق الإنسان في بلدنا خلال هذا العام الذي يوشك على الإنتهاء. جميلٌ أن نتغنّى بمضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وان نكرّر التأكيد على مسؤولية الدولة والمجتمع في إنفاذ مواد هذا الإعلان، والتنديد بإنتهاكات الحقوق والمطالبة بوضع حدٍ لها، كما نفعل في أحيانٍ كثيرة؛ لكن تحمّلنا لمسؤوليتنا الوطنية يملي علينا أن نتفحّص وضع الحقوق في بلدنا بين الحين والآخر لكي نعرف بدقّة أين تقدّمنا وأين تراجعنا. فمن خلال هذه العملية نستطيع إشتقاق المهمات للمرحلة المقبلة. إضافة لذلك، إن إجراء تقييم أوليّ لوضعية حقوق الإنسان في بلدنا، من خلال ما سيطرح في هذه الندوة من اوراق ومداخلات هو خير إحتفاء بهذه المناسبة، كما ويشكّل مساهمة مهمة في تفعيل بنود الإعلان العالمي الذي يرفع رايته عالياً جميع المناضلين من أجل حقوق الإنسان وخير البشرية.

من هنا، من السلط الأبية، عاصمة البلقاء قلب الأردن نزجي التهنئة لكل مَنº تعزّ عليه قضية حقوق الإنسان بهذه المناسبة ؛ ونعبّر عن شكرنا الجزيل لملتقى محامي البلقاء على إتاحة هذه الفرصة للإحتفال معاً بمناسبةٍ وبشأنٍ يهمّ ولا شك مواطني البلقاء، بل ومواطني الأردن كافة.

لكن، قبل أن ندخل في صلب موضوع ندوتنا، إسمحوا لنا بأن نعبّر عن بعض الخواطر والمواقف والأفكار التي تحضُرنا ونحن نستظل بالذكرى الرابعة والستين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يكاد المراقب اليقظ لمجريات الأمور في هذا العالم أن يشعر بالذهول والإحباط جرّاء التناقضات الحادة والصارخة في وضع حقوق الإنسان. تقول الأرقام بأن نحو مليار من البشر لا يملكون ما يسدّ الرمق ويعانون من سوء التغذية وعدم توفّر المياه الصالحة للشرب، خاصة في آسيا وإفريقيا ؛ وبأن نحو مليارين من البشر يعيشون في ظروف معيشية صعبة ولا تتوفر لهم خدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات بشكل مناسب، ولا حتى لائق بالإنسان وبكرامته. يعيش نصف سكان الكرة الارضية إذن في هذه الأوضاع في الوقت الذي تعيش فيه البلدان المتقدمة تُخمة في الإنتاج من حيث توفّر الغذاء والدواء والأموال والإمكانيات التي يمكن لها أن تخفّف من هذا الوضع البائس لمليارات البشر ـ لو وُجد “تضامن إنسانيّ” حقيقيّ ! يجري ذلك كله في الوقت الذي تتنافس فيه الدول الكبرى على إنتاج الأسلحة وبيعها لدول العالم المسمّى بالثالث بحيث تتجاوز تجارتها مئات مليارات الدولارات ؛ ناهيك عن السيطرة والاستغلال اللذين تمارسهما الدول الغنيّة على الدول الفقيرة والضعيفة.

الحقيقة العارية والتي يجب أن يعرفها “المعذّبون في الأرض” هي أن “حقوق الإنسان” تحوّلت منذ أمد طويل إلى ذريعة وحجة تستخدم في واقع الأمر من قبل بعض الدول الكبرى من أجل تسهيل مخططاتها وسياساتها في الهيمنة والتسلط على الدول والشعوب الفقيرة والضعيفة؛ إن ما تمنحه من “مساعدات” إلى هذه الدول هو عبارة عن فتات لذرّ الرماد في العيون. أما المحروم من معظم حقوق الإنسان فهي هذه الدول ـ وبالذات أغلبية شعوبها ـ التي لها كل المصلحة في التمسك بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمطالبة بتنتفيذ مواده مهما طال الزمن، بل والنضال من أجل ذلك؛ فالحقوق  ـ وعلينا أن نتذكّر هذه الحقيقة ـ “تؤخذ ولا تعطى”.

لا زلت اتذكّر كلمات المدير السابق لليونسكو، فيديريكو مايور أمام الاجتماع العالمي الذي عقد في باريس في 10 كانون الاول 1998، بمناسبة مرور خمسين عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. قال مايور في ختام كلمته بمرارة : “علينا أن نعترف بان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ـ وبعد مرور خمسين سنة على صدوره ـ لا يزال حبراً على ورق” !

هذا الإعتراف من قِبل مسؤولٍ أممي لا يُفاجيء مناضلي حقوق الإنسان ولا يدعوهم إلى اليأس؛ فهم يعرفون جيداً، من خلال معاناتهم اليومية ومشاهداتهم ومراقبتهم لكافة أشكال إنتهاكات حقوق الإنسان ما هي حقيقة واقع حقوق الإنسان. إن العبرة المستقاة من هذا الواقع هي في الإصرار على إنتزاع هذه الحقوق، والإصرار على نقاء جوهر هذه الحقوق وحمايتها من التزييف والترويج المخادع أو الكاذب. إن إنتزاع الحقوق على يد الشعوب يعني وضع حدٍ للسيطرة الأجنبية والظلم والتسلّط والإستباحة والتخلّف. أوليست معركة حقوق الإنسان هي في الأصل والأساس إرادةٌ سياسية وتمسّكٌ حقيقي بالمثل والقيم التي ناضلت البشرية طويلاً من اجلها عبر آلاف السنين ؟

بإختصار، بعض الدول الكبرى والمتوسطة في هذا العالم، والتي تتشدق بحقوق الإنسان هي في الحقيقة والواقع غير معنيّة بهذه الحقوق إلاّ بمقدار ما تخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية وسياساتها الثقافية والاجتماعية. ونحن هنا لا نخلط بين أنظمة تلك الدول وشعوبها. إن التطبيق الفعلي والجاد لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني وللعدالة يتطلب ـ من بين ما يتطلب ـ تقديم مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى المحاكمة لمحاسبتهم على جرائمهم التي ارتكبوها خلال عقود في فلسطين ـ وخاصة في غزّة ـ ولبنان. وهناك مجرمون آخرون في العالم لا يزالون ـ للأسف ـ يفلتون من العقاب. إن الإنسانَ في بلدان الجنوب هو المعني في الأساس بالمطالبة بحقوق الإنسان التي يجسّدها الإعلان العالمي الذي نحتفل بذكراه اليوم، دون أن يعني ذلك تخلّي الآخرين عن مسؤولياتهم.

اما في الأردن، فقد عشنا عاماً حافلاً شهد تطورات عديدة في مجالات مختلفة لحقوق الإنسان. استمرت المظاهرات الشعبية المطالبة بالإصلاح والديمقراطية ومحاربة الفساد وحرية الرأي والتعبير ومن أجل تحسين الأوضاع المعيشية لأغلبية المواطنين. تخلّل هذه المظاهرات التي شملت معظم مدن ومناطق البلاد، خاصة أيام الجمعة ـ بإستثناء رمضان ـ إعتقال مئات المشاركين في الحراك السياسي والشعبي، والذي بدوره ـ إي ذلك الإعتقال ـ دفع الآلاف للنزول إلى الشوارع مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين إلى جانب مطالبة العديد من منظمات المدني بذلك. ووردت تقارير تفيد بتعرّض العديد من المعتقلين للمعاملة السيئة والضرب والاهانة وأشكال من التعذيب، وهو ما دفع منظمات حقوق الإنسان للتحرك والمطالبة بالتحقيق في ذلك. كذلك شهدت البلاد تحركات مطلبية واسعة في عدة قطاعات (الفوسفات، البوتاس… )

شهد العام 2012 تدفّق عشرات آلاف اللاجئين السوريين إلى بلدنا بسبب الأوضاع التي تمرّ بها سورية. وقد شهد مخيم الزعتري المخصص لهؤلاء اللاجئين حركات احتجاجية بسبب الاوضاع المعيشية فيه، وهي أوضاع رصدها وفد من الجمعية زار المخيم بداية أيلول الماضي واعدّ تقريراً عنها أرسل لاحقاً مع توصيات إلى الحكومة.

على صعيد آخر، وبالرغم من إعتراض العديد من القوى السياسية والنقابية والاجتماعية والحقوقية على قانون الانتخاب، فقد مضت الحكومة قدماً في التحضير لانتخابات نيابية من المفترض أن تجري في 23/1/2013. وقد تشكلت الهيئة المستقلة للانتخابات لهذا الغرض، وبدء في عملية تسجيل شهدت إقبالاً جيداً من قبل المواطنين. إلاّ ان منظمات المجتمع المدني رصدت العديد من الثغرات والمخالفات في عملية التحضير للانتخابات، فضلاً عن الأجواء العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تشير إلى توفّر الشروط الضرورية لنجاح هذه الانتخابات التي يشدّد المسؤولون منذ أشهر طويلة على أنها ستتمتع بالنزاهة والشفافية وبعدم تدخل أجهزة الدولة في النتائج كما جرى في انتخابات سابقة..

من التطورات الإيجابية لهذا العام إنشاء المحكمة الدستورية واللجنة الملكية للنزاهة؛ ‘لاّ أنه من السابق لأوانه الحكم على الآثار التي يمكن ان تتركهما هاتين الهيئتين على تطّور حقوق الإنسان وتعزيز دولة القانون والمؤسسات، أو على صعيد مكافحة الفساد التي تحتل مكانة بارزة في الاهتمامات الشعبية.

أما على الصعيد الاقتصادي والمعيشي، فقد تأثرت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بإرتفاعات الاسعار التي قررتها الحكومة في أيلول وتشرين الثاني، وأدت إلى وقوع مظاهرات احتجاج شعبية واسعة ضدها. ولا تزال مشكلات البطالة والفقر تشهد تفاقماً متزايداً حسبما تشير الدراسات. ومن الظواهر الإيجابية في عام 2012 استمرار إشهار نقابات عمالية مستقلة بالرغم من رفض وزارة العمل تسجيلها.

على صعيد الإعلام، جاء القانون المعدّل لقانون المطبوعات والنشر ليشكل محاولة لفرض المزيد من القيود على حرية الاعلام والحق في تداول المعلومات. إلاّ أن علينا أن نلاحظ من جانب آخر إتاحة التلفزيون الرسمي الفرصة للأحزاب السياسية للتعبير عن برامجها إبتداء من شهر تشرين الأول الماضي.

كما تلاحظون، نحاول أن نستعرض أهم المحطات والأحداث التي جرت خلال هذا العام من أجل إنعاش الذاكرة والتحضير للنقاش. إذ أنه ليس من الجائز أو المقبول أن نعطي تقييماً عاماً قبل أن نستمع إلى مداخلات الأخوة والأخوات في المجالات المتخصصة من حقوق الإنسان وإلى النقاش الذي سيجري بعد ذلك.

نكرّر الشكر لملتقى محامي البلقاء على استضافة هذه الندوة، وكلنا أمل في أن يتطور ويتعمق العمل المشترك والتعاون بين الجمعية والملتقى في الفترة المقبلة.

المشاركة