بيان حول العملية الإنتخابية للمجلس النيابي السابع عشر

269

الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

بيان صادر عن الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان حول العملية الإنتخابية للمجلس النيابي السابع عشر  

انتهت مؤخراً العملية الإنتخابية للمجلس النيابي السابع عشر. وجاءت هذه العملية في أعقاب حراكات شعبية وسياسية مطالبة بإصلاحات سياسية شاملة تتضمن إعادة النظر بقوانين الإنتخاب والأحزاب السياسية والإجتماعات العامة والنقابات وغيرها. وجاءت الإستجابة لهذه المطالب عبر إعتماد تعديلات دستورية، شكّلت في بعض الجوانب خطوة إلى الإمام في مجال تعزيز الحقوق والحريات، إلاّ انها لم تغيّر جوهرياً في آليات صنع القرار التي كانت موضع شكوى وتذمّر من جانب أوساط شعبية وسياسية واسعة، ولم تؤد إلى تفعيل حقيقي للمادة الدستورية “الشعب مصدر السلطات”، في الوقت الذي كانت تقدّم فيه هذه التعديلات بإعتبارها تجاوباً مع مطالب وطموحات “الربيع العربي” في طبعته الأردنية.

بالرغم من الإحتجاجات على تلك التعديلات وقصورها عن الإرتقاء إلى المطالب الشعبية وحاجات البلاد، فإن الجهات الرسمية مضت في تجاهلها، مثلما تجاهلت من قبل مخرجات “لجنة الحوار الوطني”، وعملت على تمرير قانون إنتخابي معدّل شبيه بالقانون السابق، ولم تأخذ بالنصائح الوجيهة التي قُدمت من أجل الاستفادة ـ ولو بالحد الأدنى ـ من العنصر الجديد في القانون المعدّل، وهو “القوائم العامة”. وقد ترافق سن القانون الجديد، المخيّب للآمال، بتأكيدات رسمية متكررة على “نزاهة” الإنتخابات المقبلة وعلى منع تكرار التزوير والتلاعب الذي دمغ انتخابات 2007 و2010.

في مواجهة خيبة الأمل الشعبية من عدم جدّية القيام بالإصلاحات السياسية المطلوبة، وتصاعد الأصوات المطالبة بمقاطعة الانتخابات، بذلت الدولة جهوداً كبيرة ـ خاصة على الصعيد الإعلامي ـ لحثّ المواطنين على المشاركة في الانتخابات ؛ كما افسحت وسائل إعلام الدولة ـ خاصة التلفزيون الرسمي ـ الفرصة أمام المرشحين والقوائم لطرح أفكارهم على المواطنين.

إذا كان إجراء الانتخابات بحد ذاته ومشاركة العديد من الأحزاب السياسية والجهود الإعلامية التي بذلت، وزيادة تمثيل النساء (عبر زيادة عدد مقاعد الكوتا النسائية في القانون) تعتبر من إيجابيات العملية الانتخابية، فإن التأشير على السلبيات التي سبقتها ورافقتها هو أيضاً جزء هام من عملية التقييم لكيفية ممارسة المواطنين لحقهم في الانتخاب ـ وهو للتذكير ـ حق أساس من حقوق الإنسان.

بداية لا بدّ من التذكير بأن قانون الانتخاب بحد ذاته لا يسمح بتمثيل حقيقي لإرادة المواطنين ـ وهو الهدف الأول والأخير لعملية الإنتخاب ـ وذلك نظراً لإصراره على “الصوت الواحد” بدون إعادة النظر في التوزيع غير العادل للدوائر الانتخابية بالنسبة لعدد السكان. كما أن الإصرار على أن تكون القوائم العامة “مغلقة” وليست “مفتوحة” جعل من تشكيلها في معظم الأحيان مسألة شكلية اتاحت الفرصة بالأساس لأصحاب “المال السياسي” ولممثلي العشائر من العودة للمجلس، ولم تؤد ـ كما كانت تشيع الدوائر الرسمية ـ إلى تعزيز الحياة الحزبية والسياسية، وصولاً إلى تشكيل “حكومات برلمانية”.

سارت العملية الانتخابية ـ تحت إشراف الهيئة المستقلة للانتخابات ـ بصورة مقبولة في مراحل التسجيل والترشيح وفحص الطعون والتحضيرات التنظيمية والإدارية التي رافقتها، بالرغم من تأخر الهيئة للتصدي لعمليات بيع وشراء الأصوات التي كانت تجري بصورة شبه علنية في مناطق عديدة، ونشرت حولها الكثير من المعلومات والوقائع. أما في مرحلتي الاإقتراع وفرز الأصوات وإعلان النتائج، فقد وقعت تجاوزات كثيرة في العديد من المناطق، وثبت بأن هيئة الانتخابات إما أنها كانت غير قادرة على ضبط الأمور المتعلقة بالفرز وإعلان النتائج بالشفافية المطلوبة، أو أنها كانت خاضعة لضغوطات من جانب دوائر متنفذة في الدولة مارست التزوير والتلاعب في مناطق وقوائم عديدة (عمان، السلط، مأدبا، الكرك، إربد…). وقد أدّى ذلك إلى تبخر آمال قطاع واسع من المواطنين ب “نزاهة” الإنتخابات و”شفافيتها” في الأيام التي أعقبت يوم الإقتراع، بالرغم من إشادة بعض الجهات الخارجية بهذه الانتخابات لأغراض سياسية معروفة.

إن “حرية ونزاهة” الانتخابات هي مسألة نسبية دار حولها جدل طويل بين خبراء حقوق الإنسان منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، وهو ما حدا ببعثات الأمم المتحدة المكلفة بالإشراف على الانتخابات في عدد من البلدان إلى وصفها ب “المقبولة”، وتجنب تعبير “الحرية والنزاهة”.

إن البيئة التي تحيط بالعملية الإنتخابية، والشروط التي تتحكم فيها من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإدارية والتنظيمية، ومدى توفر ممارسة حقوق الإنسان والحريات العامة للمواطنين كافة، أفراداً وهيئات، هي كلها عوامل تساهم، بصورة مباشرة وغير مباشرة في تقرير مدى “حرية ونزاهة” الإنتخابات التي يتكرر الحديث عنها في أعقاب كل دورة إنتخابية.

أصبح واضحاً ـ في ضوء التجارب السابقة ـ أن التقدم إلى مدى أبعد من الحرية والنزاهة والشفافية في الانتخابات يتطلب سلسلة من القرارات في مقدمتها :

  • إعادة النظر جذرياً في قانون الإنتخاب الحالي والعمل على إصدار قانون إنتخابي ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتتوفر فيه متطلبات الشفافية. ولعل مشروع القانون الذي وضعته “لجنة الحوار الوطني” في عام 2011 والذي لاقى ترحيباً من قطاع واسع من المواطنين والقوى السياسية يمكن أن يكون قاعدة لصياغة قانون جديد يحقق الهدف الأساس منه وهو تشكيل مجلس نيابي يمثل الإرادة الحقيقية للمواطنين.
  • رفع القيود عن الحريات العامة، وبخاصة حرية التفكير السياسي وحرية الرأي والتعبير والحق في تداول المعلومات، وإزالة العقبات والقيود أمام حرية النشاط السياسي وتمكين الرأي المعارض من التعبير عن نفسه بدون مضايقة او إرهاب فكري أو ترهيب من أي نوع.
  • بذل المزيد من الجهود من أجل إزالة العقبات السياسية والاجتماعية والثقافية ـ وليس فقط القانونية ـ التي تعرقل وصول المرأة إلى مجلس النواب عن طريق التنافس الحر وإلى مراكز صنع القرار وممارستها لحقوقها كاملة.

تؤكد العملية الانتخابية الأخيرة بأن البلاد لا تزال تقف على عتبة الإصلاح السياسي المنشود، ولا يزال الطريق لتحقيق هذا الإصلاح طويلاً . فقد أثبتت تجارب عديدة في بلدان تشبه الأردن بأن إحترام “شكليات” الديمقراطية لا يعني بأن الديمقراطية قد تحققت فعلاً على أرض الواقع.

عمّان في 6/2/2013                                          الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

 

المشاركة