تعديل قانون المركز كمفتاح لتطوير حقوق الإنسان في البلاد

395

على هامش صدور التقرير السنوي التاسع للمركز الوطني لحقوق الإنسان

تعديل قانون المركز كمفتاح لتطوير حقوق الإنسان في البلاد

  • الدكتور سليمان صويص *

 أصدر المركز الوطني لحقوق الإنسان قبل أيام تقريره السنوي التاسع عن أوضاع حقوق الإنسان في الأردن خلال العام 2012. وقبل ذلك، سبق للجمعية الأردنية لحقوق الإنسان أن أصدرت تقريرها عن الموضوع نفسه في آيار الماضي. وعليه فإنه من المفيد القيام بقراءة مقارنة بين التقريرين لمعاينة نقاط الإلتقاء والتقاطع والإختلاف في هذا المجال بين طرفين أحدهما “مؤسسة دولة” والآخر منظمة أهلية تطوعية. لكن مثل تلك القراءة يجب أن يقوم بها “طرف ثالث” ليس له علاقة بالطرفين المذكورين، إذا ما أردنا إلتزام الموضوعية والحيادية.

نعود إلى التقرير السنوي التاسع لنؤكد بداية بأن المركز الذي أصدره والقائمين عليه والعاملين فيه، خاصة الذين أعدّوا التقرير، يستحقون التحية والتهنئة والشكر على الجهود التي بذلوها، بالرغم من التأخر الكبير في إصداره. نقول ذلك ليس من باب الموافقة والبصم على كل ما جاء في التقرير، بل للتعبير عن التقدير للمستوى المهني وللجهد البحثي الذي بذل لإخراجه بهذه الصورة.

ما الذي يمكن أن يعلّق به ثلاثة أشخاص على التقرير لو سئلوا عنه ؟ الأول، المؤيد للحكومات على طول الخط سوف يجيب بأن وضع حقوق الإنسان ممتاز ويعترف بوجود “بعض التجاوزات” الناجمة عن “تصرفات فردية”. والثاني، المعارض للحكومات سيركز على وقائع التعذيب التي طالت العديد من نشطاء الحراك الإصلاحي والإنتهاكات الواردة في التقرير ليخلص إلى ان “الوضع سيئ”. أما الثالث الذي يضع “رجل” هنا و”رجل” هناك فسوف يظلّ يردّد جوابه المعتاد : “الوضع يتحسن، ولكن ليس بالقدر الكافي” ؛ وهو جواب سوف نسمعه حول تقرير العام القادم والذي يليه !

بالمقابل، ما الذي يمكن أن يقوله الشخص الباحث عن الحقيقة والذي لا يهمه موالاة الحكومات ولا معارضتها، بل حقوق الإنسان بذاتها ولذاتها ؟ مرة أخرى نعود هنا إلى التقرير التاسع لنذّكّر بأن إحدى مآثر هذا التقرير هي أنه يقيس بالميليمترـ وعبر المائتين وبضع صفحات ـ عن أي تحسّن طرأ على وضع حقوق الإنسان خلال 2012، ولكن ـ كما يقول بلغة دبلوماسية نحاول هنا ترجمتها إلى لغة فصحى ـ هذا التحسن الطفيف يضيع عبر مئات الممارسات السلبية التي تطغى على الصورة العامة. يكاد المرء أن يحتاج إلى عدسة “مكبّر” لكي يرى ذلك التحسّن الذي يحاول المركز أن يبرزه. ولا يجد المركز مفراً من الإعتراف …. أخيراً بأن “غموض” السياسة الرسمية تجاه حقوق الإنسان يشكلّ جزءاَ أساسياً من المشكلة ؛ وهو ما قالته منظمات أهلية أردنية لحقوق الإنسان منذ سنوات طويلة.  حقاً إنني أحملُ فيضاً من مشاعر التعاطف مع المركز ـ خاصة معدّي التقرير ـ فهم قد أصابهم الملل من كثرة ما كررّوا توصياتهم خلال السنوات الماضية : توصيات بإلغاء قانون منع الجرائم، توصيات بإحترام حق الموقوف بالإتصال بمحام فور إعتقاله، توصيات بسن قانون جديد يعزز إستقلال القضاء… وهذا غيض من فيض (يرجى الرجوع إلى التقرير، وهو منشور بالكامل على موقع المركز بالأنترنت)… ولا من سميع ولا من مجيب . تحدثتُ عن “الملل”، لكن بالمقابل، حتى هذه اللحظة، لم تشعر الحكومات المتعاقبة بعد بأي نوع من “الحرج” إزاء مطالبات وتوصيات المركز المتكررة بإلحاح، وهو دليل إضافي على أن المشكلة ليست عند المركز ولا في تقاريره التي تستحق التقدير، بل عند الحكومات التي ـ على الأغلب ـ لا تقرأ تقارير المركز، وإن قرأتها فهي ليست على إستعداد للتجاوب معها إلاّ في حدود ضيقة جداً.

يقترح التقرير صياغة خطة وطنية لحقوق الإنسان للخروج من المأزق. وللتذكير، فإن هذا الإقتراح ورد في تقرير الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان عن أوضاع حقوق الإنسان لعام 2003، أي قبل عشر سنوات، عندما بدأ المركز بممارسة مهامه. بالطبع لم تصغ الحكومات المتعاقبة لإقتراح الجمعية المذكور. ومع ذلك نتمنى بإخلاص أن تأخذ الحكومة الحالية بإقتراح المركز ؛ فأن يأتي الغيث متأخراً خير من أن لا يأتي أبداً.

من وجهة نظرنا المشكلة أعمق من ذلك ؛ ولأننا نريد “أكل العنب وليس مقاتلة الناطور”، نتقدم بإقتراح عملي إلى أصحاب الشأن والقرار، نعتقد بأنه يمكن أن يشكل مفتاحاً للخروج من أزمة حقوق الإنسان في البلاد. بعد سبع سنوات على صدور قانون المركز الوطني لحقوق الإنسان ـ وفي ضوء الممارسة والتجربة ـ أصبح من الضروري إعادة النظر في بعض مواده. فالمادة 12 من القانون والتي يُصدر المركز تقريره السنوي إستناداً إليها  تنص على ما يلي : “يعد المركز تقريراً سنوياً عن أوضاع حقوق الإنسان والحريات العامة في المملكة يرفعه إلى كل من مجلس الأعيان ومجلس النواب ومجلس الوزراء”. لا يوجد في القانون أي نص يلزم الحكومة بأن تستجيب لتوصيات المركز ولا حتى بأن ترد على تقاريره التي يصدرها. وتشكل هذه في إعتقادنا ثغرة كبيرة. هناك حاجة ماسة لتعديل القانون بحيث يضاف إليه نص يقول بوضوح على أن من واجب الحكومة أن ترد على تقرير المركز السنوي خلال مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر مثلاً من تاريخ إستلامها للتقرير.  بإختصار يجب أن يكون هناك “مخرجات” لتقارير المركز، وإلاً فإن هذا الجهد السنوي يذهب هباءً، كما هو حاصل فعلاً منذ سنوات. إن تصريحات المسؤولين عن إلتزام الأردن بحقوق الإنسان يجب أن يجد ترجماته العملية من خلال الاستجابة لتوصيات المركز الذي هو “الجهة صاحبة الإختصاص” في الدولة، مثلما أن وزارة الصحة هي جهة الإختصاص بالصحة.

إلى أن يتحقق ذلك، لماذا لا تبادر إحدى الجهات (إتحاد المرأة الأردنية أو جامعة خاصة أو المعهد الدبلوماسي على سبيل المثال) لدعوة ممثلين عن الحكومة والمركز الوطني لحقوق الإنسان إلى “مائدة مستديرة” وإثارة حوار حرٍ وصريح حول أسباب التجاهل الشبه الكامل والمتواصل الذي تمارسه الحكومات تجاه تقارير المركز وتوصياته ؛ أو بالتعبير الدبلوماسي السمج “تطوير التنسيق والتعاون” بين الطرفين !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان، والمقال يعبّر عن وجهة نظر شخصية.

المشاركة