تقييم مناقشة تقرير الحكومة الأردنية حول أوضاع حقوق الإنسان في الأردن أمام مجلس حقوق الإنسان

305

ندوة الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

حول

“تقييم مناقشة تقرير الحكومة الأردنية حول أوضاع حقوق الإنسان في الأردن أمام مجلس حقوق الإنسان”

قاعة حديقة الألفية / عمان ـ 16 تشرين الثاني 2013

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجهة نظر الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

بالرغم من الجهود التي بذلتها أطراف أردنية عديدة، رسمية وغير رسمية، في إعداد التقارير عن أوضاع حقوق الإنسان في الأردن، تحضيراً لإجتماع مجلس حقوق الإنسان في جنيف آواخر الشهر الماضي ؛ وبالرغم من التوصيات الكثيرة التي قُدّمت، وقبل الوفد الرسمي الأردني قسماً هاماً منها، إلّا أن الواقع والتجربة لا يشجّعان على بناء كثيرٍ من الآمال في أن تشكّل محطة جنيف 2013 تحوّلاً هاماً أو ملموساً في تطوّر أوضاع حقوق الإنسان في الأردن خلال السنوات الأربع المقبلة.

يهمّنا هنا في المقام الأول أن نتفحص التقرير الحكومي المقدّم إلى مجلس حقوق الإنسان. إن كل من يقرأ هذا التقرير بعين فاحصة وذاكرة قويّة سوف يتوصل إلى إستنتاج جديد غير الاستنتاج القديم الذي كان يقول بأن “لا حكومة تقول عن زيتها بأنه عِكر” !. فلقد إعتدنا منذ سنوات طويلة على تقارير حكومية تقدّم صورة وردية عن أوضاع حقوق الإنسان في الأردن، وبأن الدولة الأردنية تطبّق إلتزاماتها في هذا المجال إلخ… أما تقرير عام 2013 فهو ينطوي على العديد من أنصاف الحقائق التي تقدّم إلى مجلس حقوق الإنسان، في سياق السعي لتطوير جوانب من حقوق الإنسان، أو كإستجابة لتوصيات سابقة للمجلس ـ في حين أنها في الحقيقة والواقع غير ذلك.  لنضرب بعض الأمثلة، لأن المجال لا يتسع لتفنيد الكثير مما ورد في التقرير :

  • يتحدث التقرير الحكومي عن “نهج تشاركي” تتّبعه الحكومة في تعاونها مع مؤسسات المجتمع المدني، وذلك ـ كما يقول التقرير ـ “إيماناً بأهمية ودور مؤسسات المجتمع المدني في إثراء منظومة تعزيز حقوق الإنسان، ومن ذلك التعديلات الدستورية الأخيرة وقانون الأحوال الشخصية”. للأسف، غالباً ما تعبّر الحكومة عن “أهمية ودور منظمات المجتمع المدني” في التقارير المقدمة إلى الهيئات الدولية وفي التصريحات الموجّهة للاستهلاك الخارجي؛ أما داخلياً وعلى أرض الواقع، فإن الإهمال والتجاهل ـ إن لم نقل فرض القيود والتضييق على عملها ـ هو نصيب تلك المنظمات من الجهد والإهتمام الحكومي ! نتساءل ـ ويتساءل معنا كثيرون : ماذا كان مصير عشرات التوصيات التي قدمتها منظمات المجتمع المدني ـ بما فيها منظمات حقوق الإنسان والمنظمات النسائية ـ إلى اللجان الحكومية حول تعديل الدستور والأحوال الشخصية ؟ ببساطة : التجاهل .
  • يتحدث التقرير (ص 26) عن “لجنة الحوار الوطني” ويقدمها كاحد إنجازات الإصلاح السياسي.. لكن الجميع داخل الأردن ـ وليس في جنيف ـ يعلم جيداً ماذا كان مصير مخرجات تلك اللجنة التي ضرب المسؤولون على صدورهم مؤكدين ضمانة تنفيذ تلك المخرجات. لماذا تبيع الحكومة “جوزاً فارغاً ” إلى الرأي العام الدولي ؟
  • يورد التقرير إصدار قوانين الأحزاب والإنتخاب والمحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للإنتخاب بإعتبارها إنجازات هامة على طريق تطوير حقوق الإنسان الأردني؛ لكن الدخول في تفاصيل تلك القوانين ـ كما أكّد العديد من منظمات حقوق الإنسان والمركز الوطني لحقوق الإنسان وبعض المسؤولين ـ يُظهر بأنها تحتاج إلى مراجعة، وبأن فعاليتها في إحداث تغيير نوعي عما كان في السابق محدودة جداً، إضافةً إلى إختبار قانون الإنتخاب والهيئة المستقلة في إنتخابات كانون الثاني 2013. (يراجع تقرير مركز “الحياة” عن هذه الانتخابات، على سبيل المثال، الصادر في آيار الماضي).
  • في مجال الحديث عن حقوق الطفل يذكر التقرير بأنه تم إعداد مشروع قانون حقوق الطفل وتم رفعه إلى رئاسة الوزراء في نهاية 2012. إن القارئ لهذه الفقرة سوف يعتقد بأن هذا إنجاز آخر للحكومة في مجال حماية حقوق الطفل ! لكن كم من الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، لا بل كم من المواطنين الأردنيين، يعلمون بأن محاولات وضع قانون لحقوق الطفل قد بدأت منذ عام 1993 ـ أي قبل عشرين سنة ـ وتعثّرت منذ ذلك الوقت .. دون أن يعرف أحداً أسباب هذا التعثر وهل له علاقة بالدولة أم بالمجتمع ؟ هل يعكس ذلك إهتماماً حقيقياً بحقوق الطفل، دون أن نذّكر بملف عمالة الأطفال التي تتفاقم في البلاد ؟

لكن، بالرغم من عملية الإخفاء المعهودة ل “الزيت العِكر”، وبالرغم من محاولات إظهار نصف الحقيقة في مجالات عديدة، إلاّ أن أعضاء مجلس حقوق الإنسان قدّموا أكثر من مئة وسبعين توصية، يقول رئيس الوفد الرسمي بأن الحكومة قبلت 80 % منها.

على ماذا تركّزت الإنتقادات ؟

ـ على المطالبة بإلغاء محكمة أمن الدولة ؛ وعلى ضرورة تطبيق إتفاقية مناهضة التعذيب؛ وعلى ضرورة وقف المعاملة غير الإنسانية في مراكز التوقيف؛ وعلى ضرورة تطبيق وترسيم المساواة بين الرجل والمرأة ؛ وعلى ضرورة الحد من محاولات تقييد حرية الإعلام وضرورة تعديل قانون المطبوعات والنشر ؛ وعلى ضرورة وقف سياسة إعتقال نشطاء الحراك السياسي.

هذا إضافة إلى المطالبات التي أوردها تحالف “إنسان” للمنظمات غير الحكومية في توصياته، مثل ضرورة تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية، وإلغاء قانون منع الجرائم، ووضع حد لجميع سلطات الإحتجاز الإداري ؛ وضرورة وضع آلية وطنية شفافة ومستقلة للرقابة والتحقيق في الإدعاءات التي يتعرض لها المحتجزون، وإستقلال القضاء ؛ وإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور وغيرها من الحقوق الإقتصادية والاجتماعية…

…. // ….

بالطبع، هذه المطالبات ليست جديدة بالنسبة لنا في الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان؛ فالعديد منها ورد في تقارير للجمعية تعود إلى سنة 2000 و إلى 2003 و2004. كما أن أي قارئ للتقارير السنوية الصادرة عن المركز الوطني لحقوق الإنسان ـ خلال السنوات الخمس الأخيرة ـ يلاحظ تكرارها المملّ ـ المقصود تكرار هذه التوصيات وتكرار غيرها الكثير.

إن مناقشة أوضاع حقوق الإنسان الأردني في المحافل الدولية مهم ؛ فهو تطبيق لآليات الرقابة على حقوق الإنسان التي وضعتها هيئات ولجان الأمم المتحدة منذ عدة عقود. ونحن لا نفرح أبداً عندما توجّه إنتقادات شديدة لسجلّ الأردن في هذا المجال. لكن الحقيقة التي يجب علينا أن نعترف بها هي أن مساهمة تلك الآليات في تطوير أوضاع حقوق الإنسان في بلدنا محدودة، لأن مناقشة تلك الأوضاع في تلك المحافل يخضع لإعتبارات سياسية ودبلوماسية تحدّ من فعاليتها وصراحتها. فالأمم المتحدة هي في النهاية محصلة لمجموع الدول والحكومات الأعضاء فيها، ولا يعوّل عليها كثيراً في هذا الجانب ـ كما في جوانب أخرى عديدة.

إذا أردنا ان نعرف الحقيقة عن أوضاع حقوق الإنسان في الأردن وسياسات الحكومات المتعاقبة تجاهها، فلنرجع إلى تقارير المنظمات الأهلية الأردنية لحقوق الإنسان، وإلى تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان. فقد اعترف المركز في آخر تقرير له ـ على سبيل المثال ـ بأن “غموض السياسات العامة في مجالات عديدة تتعلق بحقوق الإنسان يفاقم من الأثر السلبي للثغرات الكائنة في التشريعات”. .. ولا يفوتنا هنا التذكير بالتجاهل الذي تمارسه الحكومات المتعاقبة لتقارير المركز الوطني والتوصيات التي تتضمنها، ناهيك عن تجاهلها لتقارير المنظمات الأهلية ـ وهو التجاهل الذي لا يجرؤ تقرير الحكومة المقدم إلى جنيف على ذكره، بل يدّعي عكس ذلك !

والحال، إننا مضطرون للإستنتاج بأن الجهود التي يبذلها المواطنون الأردنيون ومنظماتهم في المقام الأول، عبر أشكال مختلفة، من أجل المطالبة بحقوقهم هي التي تؤتي أكلها، مهما كانت النتائج متواضعة. أما الإعتماد على حسن نوايا الحكومة وتجاوبها البطئ جداً جداً مع المطالب الملحة التي أصبح يحتاجها المجتمع الأردني، فإنه يعني بأننا ـ كمواطنين ـ سوف نظل نحصل على حقوقنا المشروعة بالقطّارة ـ بحيث لا يؤثر ذلك على واقع الحال، كما أثبتت التجارب الكثيرة الماضية.

                                                                    د. سليمان صويص

                                                          رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

المشاركة