حول منظمات حقوق الإنسان الاردنية

510

سؤال صحيفة الدستور (الآنسة ليلى الكركي)

 

لماذا تكون المنظمات الأردنية لحقوق الإنسان نشيطة فيما يتعلق بالقضايا الخارجية (المسيحيون واليزيديون في العراق…)، في حين يتراجع دورها فيما يخص القضايا الداخلية ؟

 

الجواب :

من حيث المبدأ، مسائل حقوق الإنسان، سواء الداخلية أو الخارجية، هي كلٌ لا يتجزأ، لأن هذه الحقوق عالمية وتخصّ كل إنسان. ومنظمة حقوق إنسان جديرة بهذا الإسم لا تستطيع أن تدين إنتهاكات حقوق الإنسان في بلدها وتسكت على الإنتهاكات الجسيمة التي تجري في أنحاء العالم، فكم بالحري عندما تقع في أقطار شقيقة ومجاورة ؟

مع ذلك فإننا نتفهم بواعث السؤال، وهو في إعتقادنا سؤال مهم جدير بالبحث المعمّق وليس فقط المعالجة السريعة.

بالعودة إلى السؤال، هناك أسباب عديدة أولها أن الإنتقاد عندنا فيما يتعلق بالقضايا الخارجية سهل ولا يوجد “جمرك” عليه ـ كما يقال. وهذا بالمناسبة نلاحظه في إختيار كتاب الأعمدة لموضوعاتهم في الصحف اليومية ؛ هناك “إستسهال” لتناول موضوعات تتعلق بقضايا خارج الأردن … أما القضايا المحلية فهي قد تؤدي إلى “وجع رأس” يُفضّل الإبتعاد عنه، وهذا يطرح التساؤل عن مدى توفر حرية التعبير عن الرأي في صحافتنا. لكن هذا موضوع آخر !

تستطيع منظمات حقوق الإنسان أن تندّد وتستنكر وتدين الإنتهاكات الصهيونية في فلسطين والإنتهاكات التي تتم على يد مجموعات إرهابية تتلحّف بالدين في العراق وسورية وغيرها… ولكن مَن يسمع ومن يتجاوب ومن يُحاسب ؟ إن التوظيف السياسي والأيدلوجي لقضايا حقوق الإنسان، على يد الدول الغربية ومن يسير في ركابها قد إنكشف على الآخر، وظهر للقاصي والداني بأن ما يهم هذه الدول هو مصالحها بالدرجة الأولى. بات هناك حاجة ماسة لإعادة صياغة المفاهيم وأساليب العمل. فالأنظمة المعادية لحقوق الإنسان بل والأنظمة التي تتظاهر بإحترام هذه الحقوق تريد لمنظمات حقوق الإنسان أن “تتكلم” فقط، وإن تجاوزت ذلك إلى “الفعل”، فإنها تعمل كل ما بوسعها لكي يبقى هذا الفعل هامشياً أو يتم تجاهله وعدم التفاعل معه إن لم يتم محاصرته وضربه؛ ولنا فيما يجري حالياً في بعض الاقطار العربية “الديمقراطية” برهان على ذلك. ففي المغرب، على سبيل المثال، حيث منظمات حقوق الإنسان قوية وذات جماهيرية ونشاط واسعين، تتعرض هذه المنظمات منذ فترة إلى مضايقات وقيود شديدة.

السبب الثاني هو ان منظمات حقوق الإنسان العاملة في مجال الدفاع اليومي عن هذه الحقوق ـ وليس فقط القيام بالتوعية ـ إذا ما تحدّثت صراحة عن حقيقة أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، فإن لا أحد يريد أن يستمع إليها، وأولهم الحكومات التي لا تبخل ـ كالعادة ـ في صرف التصريحات الإعلامية حول “إهتمامها البالغ” بحقوق الإنسان دون أن ينعكس ذلك على أرض الواقع.

وفي هذه المرحلة ، تأتي الأوضاع الإقليمية المضطربة والدموية لكي تعطي للحكومات حججاً إضافية للإمعان في سياساتها العملية المقيّدة للحقوق والحريات، مبتزّة المواطنين وتخويفهم من خلال التخيير بين الوضع الحالي أو الغرق في “صراعات الربيع العربي الدموية”ن كما في بعض الأقطار المجاورة والشقيقة. وللأسف، فإن “الصوت الثالث” في الحياة العامة الأردنية يكاد لا يكون مسموعاً ، وهو الصوت الذي يقول عالياً : نحن لا نريد أن نغرق كما غرق أشقاء في الصراعات الدموية ؛ ولكننا في الوقت نفسه نريد سياسة حكومية واضحة أساسها إحترام حقوق الإنسان وحرياته العامة، والتوقف عن إرتكاب الإنتهاكات وغض الطرف عن الفساد والقيام بإصلاحات تؤدي إلى تطوير الحياة السياسية الديمقراطية، والتوقف عن عدم مناقشة قضايا البلاد بوضوح وشفافية ؛ فنحن شعب نستحق إدارة أفضل لشؤون البلاد والعباد.

إن الدخول في عمق المسائل الداخلية لحقوق الإنسان يثير “حساسية” عند المسؤولين لا نستطيع فهمها ؛ ولذلك يلجأ البعض إلى “الغرش” ولا نقول الصمت. وربما يشعر البعض بأنه لم يعد هناك جدوى من وراء إثارة تلك المسائل، لأن الحكومات مصممة على السير وفق سياساتها المعهودة وهي غير مستعدة لسماع أحد غير صوتها. ولا تريد أية مشاركة لمنظمات حقوق الإنسان في الأمور المتعلقة بحقوق الإنسان. (وهذه ليست نكتة !) . ولعل في تشكيل اللجنة الرسمية لإعداد خطة “وطنية” لحقوق الإنسان قبل أشهر والتي إستثنت منها منظمات حقوق الإنسان دليل إضافي إلى جانب ادلّة عديدة على تلك السياسة.

د. سليمان صويص

                                                         رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

 

17/10/2014

المشاركة