دور منظمات المجتمع المدني في مراقبة المال السياسي.

345

دور منظمات المجتمع المدني في مراقبة المال السياسي .

د. سليمان صويص **

     مقولةٌ نسمعها أحياناً كثيرة تتردد على ألسنة الكثير من الناس ـ بما في ذلك مسئولين رسميين ـ وهي “أن نتائج الانتخابات يحددّها المواطن ـ الناخب”، وبالتالي فهو المسئول عن نوعية النواب المنتخبين. وتثار هذه المقولة بشكل خاص عندما يتم إنتقاد أداء أعضاءٍ في مجلس النواب، أو مجلس النواب ككل، إذ سرعان ما يُلقى في وجه المنتقدين للنواب التساؤل الذي يكاد يرقى إلى مستوى الحجّة المُفحِمة التي يجب التسليم بها والموافقة عليها بلا أدنى تردد : ” أليس هم المواطنون الذين انتخبوا هؤلاء النواب، وأصبحوا بفضل أصوات اولئك المواطنين أعضاءَ في المجلس الذي يمثّل الشعب ؟!”.

الحقيقة هي أن هذا التساؤل يُريد، عندما يُطرح، أن يقول اشياء كثيرة بصورة ضمنية. يريد ـ مثلاً ـ تبرير الأداء السيء للعديد من النواب، بدءاً من الغياب المتكرر بدون عذر عن الجلسات، مروراً بدورهم الضعيف في اللجان أو في نشاطات المجلس ككل، وإنتهاءً بالتصويت على القوانين والقررات التي لا تنسجم في كثير من الأحيان مع حقوق ومصالح أغلبية الشعب. يفترض التساؤل المذكور أيضاً بأن المواطن ـ الناخب يتمتع بحريته كاملة في الانتخاب، فهو لوحده في خلوة عند تدوين إسم المرشح الذي يريده، وهو “حر” عندما يلقي بورقة الانتخاب في صندوق الإقتراع… وبالتالي، لماذا إلقاء اللوم على الآخرين ـ وخصوصاً الحكومة ـ إذا ما جاءت نتائج الانتخابات بنواب لم يكن لهم يوماً سجل في العمل الحزبي أو السياسي أو الاجتماعي أو العمل العام عموماً، بل وبنوابٍ لم يكن يسمع أحدٌ من قبل بأسمائهم ؟!

بالإمكان مواصلة تحليل مضمون ونوايا ذلك التساؤل ـ الحجة، لكن المسألة الجوهرية التي يجب التوقف عندها هي أن هذا المواطن الواقف أمام مركز الإقتراع سبق له وأن خضع ـ وهو لا يزال يخضع ـ لسلسلة طويلة من المؤثرات والعوامل التي تجرّده عملياً من “حرية الاختيار الذاتي”، وليس المال السياسي أوّل هذه العوامل ولا آخرها.

نكتفي هنا بتعداد هذه العوامل ولا نخوض في تفاصيلها، لأنها باتت معروفة لدى الأحزاب السياسية وأوساط المجتمع المدني الأردني وقادة الرأي، بل وحتى لدى المسئولين ؛ وكذلك لكي لا نبتعد عن الموضوع الأساسي لهذه الورقة :

  • قانون الانتخاب ومدى استجابته للمعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان ؛
  • قانون الاحزاب السياسية والبيئة القانونية والسياسة والاجتماعية التي تعمل فيها الأحزاب ؛
  • قانون المطبوعات والنشر والبيئة الإعلامية والسياسية التي تجري فيها الانتخابات ؛
  • قوانين الجمعيات والاجتماعات العامة ؛
  • مدى إستقلالية منظمات المجتمع المدني عن الدولة.

لربما يحتاج الأمر إلى التذكير هنا بأن الانتخابات هي عنصر هام ـ ولكن ليس الوحيد ـ من العناصر المكوّنة للديمقراطية ؛ وإذا لم تؤخذ العوامل المؤثرة بعين الإعتبار، فإنها بالتأكيد ستكون ديمقراطية ناقصة أو ربما مشوّهة. صندوق الإقتراع لوحده لا يصنع الديمقراطية الحقيقية أو الكاملة، بل ربما يشكّل وسيلة لشرعنة دكتاتورية أو غطاءً يخفي بنية غير ديمقراطية للحكم، أو بالحد الأدنى للإتيان بممثلين للشعب هم ـ بأغلبيتهم ـ طوع إرادة الحكام، كما هو الحال في العديد من بلدان ما يسمى ب “العالم الثالث”.

الأمر الآخر الذي نود التأكيد عليه هو ان عدم توفّر الحد الأقصى من الحقوق والحريات الأساسية في المجتمع والدولة هي الارضية الخصبة التي يمكن ان ينمو ويتعاظم فيها دور المال السياسي، ليس فقط خلال المواسم الانتخابية، بل وفي الحياة السياسية برمتها.

وجملة القول أنه يجب عدم النظر إلى المال السياسي كمعضلة فنية إدارية يمكن تلافيها او الحد منها بوسائل قانونية صرفة او بإجراءات إدارية حازمة. الإرادة السياسية التي تريد حقاً مواجهة ما يسمى المال السياسي أو الحد من دوره السلبي في الانتخابات هي الارادة السياسية التي تنظر إلى الديمقراطية نظرة شاملة ومتكاملة، وبإعتبارها عملية متعددة الأبعاد، كل بُعد يؤثر ويتأثر بالأبعاد الأخرى. إن توفير الأجواء الديمقراطية الحقيقية، بما في ذلك إحترام حقوق الإنسان، كفيل بتقليص دور المال السياسي إلى الحدود الدنيا، ولا نزعم أن بالإمكان القضاء عليه كلياً.

مع ذلك، يتوجب الإعتراف بأن محاربة المال السياسي هي مسئولية مشتركة للدولة وللمواطن. ولا يخفى على أحد بأن هناك مرشحين يستغلّون حاجة المواطنين والفاقة والعوز الذي يعانون منه، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة فيقومون، عبر سماسرة لهم، بشراء أصوات اولئك المواطنين. ولذلك جاءت المادة (25) من قانون الانتخاب لتنص على أنه “يحظر على أي مرشح أن يقدّم خلال قيامه بالدعاية الانتخابية هدايا أو تبرعات أو مساعدات نقدية أو عينية أو غير ذلك من المنافع، أو يعد بتقديمها لشخص طبيعي أو إعتباري، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو بالواسطة ؛ كما يحظر على أي شخص ان يطلب لنفسه أو لغيره أي هدايا أو تبرعات أو مساعدات أو الوعد بها من طرف أي مرشح”.

بالرغم من وضوح النص المذكور أعلاه، إلاّ أنه غير كاف لمحاربة المال السياسي، إذ علينا أن نلاحظ بأن قانون الانتخاب الأردني الساري المفعول لم يحدّد آلية تتعلق بالصرف والانفاق على الحملات الانتخابية، كما أنه لم يحدد سقفاً للأموال المسموح بإنفاقها على الدعاية الانتخابية. وهذه ثغرة يمكن أن يتم تلافيها من خلال إصدار الهيئة المستقلة للانتخاب لتعليمات تنفيذية خاصة بالإنفاق على الحملات الانتخابية. ومن خلال هذه التعليمات تلزم الهيئة المرشحين تقديم موازناتهم إليها قبل بدء الحملة الانتخابية. ووفقاً لآخر المعلومات المنشورة، فإن “مسودة” التعليمات للدعاية الانتخابية التي صاغتها الهيئة المستقلة للانتخابات تُلزم المرشحين للانتخابات النيابية القادمة (23/1/2013) تقديم تعهد خطي بالإفصاح للهيئة عن موارد تمويل الحملة الانتخابية، وأوجه إنفاق هذه الموارد عند تقديم طلب الترشيح، وذلك ـ حسبما نُشر ـ “لتحجيم ظاهرة المال السياسي ” (صحيفة “العرب اليوم” بتاريخ 5/12/2012).  وإذا ما اعتمدت هذه التعليمات فإنها ستشكل خطوة هامة على هذا الطريق وسوف توفّر لمنظمات المجتمع المدني ركيزة قانونية وإدارية تستند إليها من أجل محاصرة ومقاومة أية ممارسات مخالفة للقانون قد يقوم بها مرشحون.

إن الهدف من تأطير الإنفاق على الحملات الانتخابية هو خلق فرص متكافئة بين المرشحين، لأنه إذا لم تُضبط عمليات الإنفاق، او إذا ترك الحبل على الغارب، فإن حجم المال ونفوذه سوف يؤثر على الناخبين وعلى العملية الانتخابية برمتها. وقد شاهدنا ذلك بوضوح في الدورات السابقة للانتخابات النيابية في الأردن، ونتج عنه أمراض عديدة خطيرة لا تزال الحياة السياسية والنيابية تعاني منها حتى الآن.

لقد أدركت الدول الديمقراطية منذ وقت مبكّر أهمية الحملات الانتخابية، فعمِلت على تأطيرها بقواعد محددة تتعلق بإستخدام المال وآلية إنفاقه، واشترطت هذه القواعد فتح حساب مصرفي خاص بالحملة الانتخابية لكل مرشح، وعدم إدارة هذا الحساب بصورة شخصية، بل من خلال توكيل وسيط مالي للصرف. ويتم تحديد مصروفات المرشح والقوائم على حملاتهم الانتخابية بمبلغ محدد ويُودع في حساب بنكي ويحدّد الشخص الذي يتولّى عملية الصرف. يرافق ذلك رقابة محاسبية عن طريق تدقيق حسابات في مصادر الدخل وعمليات السحب والإيداع لضمان عدم وقوع إسراف أو إستغلالها في أغراض مخالفة للقانون. ويؤسس لذلك هيئة يطلق عليها اسم “هيئة مراقبة التمويل السياسي”. وإذا ما ثبت بأن أحد المرشحين يخالف تلك القواعد، فإنه يتم إلغاء نتائج الفائزين. وقد وقع ذلك في بلدان عدة من بينها بلدان عربية كتونس والمغرب.

وبالإجمال، إن ضمانة الحد من استخدام المال السياسي هو الكشف العلني والكامل، والإفصاح الكامل عن المعلومات المالية والسياسة وجعلها متاحة أمام التفتيش والتحليل من قبل الجمهور. ويعتبر الوصول إلى والاطلاع على تلك المعلومات أمراً ضرورياً لتحقيق الشفافية المالية الأساسية ولتنظيم عملية التمويل السياسي. كما أن عملية الإفصاح تساعد في إلقاء الضوء على والتخفيف من آثار الممارسات الفاسدة وغير القانونية وتعريض المرشحين للمساءلة وللحد من الفساد.

إن بإمكان منظمات المجتمع المدني ان تمارس رقابة فعّالة على استخدام المال السياسي والإنفاق على الحملات الانتخابية من خلال العمل على تبنّي وتطبيق الاقتراحات والخطوات العشر التالية :

  • توجيه رسائل خطيّة إلى جميع المرشحين للانتخابات، سواء اكانت نيابية او بلدية، تطلب فيها المنظمات من اولئك المرشحين بوضوح عدم اللجوء إلى استخدام المال في شراء الأصوات أو في التأثير على تصويت المواطنين بصورة تخالف القانون. وبعد أن تمهل المنظمات المرشحين فترة من الوقت للإجابة على رسائلها تنشر هذه من خلال وسائل الإعلام قائمة بأسماء المرشحين الذين يعلنون التزامهم الصريح بعدم اللجوء إلى المال السياسي في حملاتهم الانتخابية، وقائمة بأسماء أؤلئك الذين لم يردوا على رسائل منظمات المجتمع المدني.
  • تقوم منظمات المجتمع المدني بحث المرشحين على الإفصاح عن مصادر أموا ل حملاتهم الانتخابية وقيمتها وأوجه إنفاقها ونشر ذلك علناً، وكذلك إلزامهم بفتح حسابات بنكية خاصة بالإنفاق على حملاتهم الانتخابية من اجل مزيد من الشفافية. وتقوم المنظمات بنشر أسماء المرشحين الذين يتجاوبون مع هذه المطالب كتأكيد من جانبهم على عزمهم استخدام أموالهم في أوجه الإنفاق القانونية المشروعة خلال حملاتهم الانتخابية. وفي ضوء التعليمات الجديدة للهيئة المستقلة للانتخابات، يصار إلى الطلب من الأجهزة الأمنية والجهاز المصرفي تكثيف جهودها من أجل تشديد الرقابة على نفقات الحملات الانتخابية (كمراقبة عدد المرات التي ينشر فيها مرشح ما دعاية له في الصحف ووسائل الاعلام الأخرى وتقدير تكاليفها ومقارنة ذلك مع نفقاته) وضمان تطبيق القانون والتعليمات الصادرة بموجبه.
  • في حالة عدم استجابة مرشحين للمطالب المذكورة اعلاهن يقوم اعضاء من منظمات المجتمع المدني بحضور الاجتماعات الانتخابية لاولئك المرشحين لكي تطرح عليهم الاسئلة عن اسباب إمتناعهم الاستجابة للمطالب المذكورة ونشر إجابات المرشحين لإطلاع الرأي العام عليها.
  • تقوم منظمات المجتمع المدني بإبلاغ الجهات الرسمية المختصة اولاً بأول بكل واقعة يحدث فيها إستخدام المال السياسي أو بوجود شبهة بذلك لكي يصار إلى إتخاذ الإجراءات اللازمة. ومن الضروري أن تكون تقارير المنظمات حول هذه الوقائع دقيقة وواضحة وموثّقة وموثوقة، ويفضل توفير أدلّة صوتية أو مرئية او شهود مستعدون لتقديم شهاداتهم.
  • مما لا شك فيه ان هناك مجموعات تعمل لدى المرشحين وتشكل نوعاً من “هيئة إدارة الحملة الانتخابية” ، يضاف إليهم ما يمكن ان نطلق عليهم “سماسرة الأصوات”. من الضروري أن تقوم منظمات المجتمع المدني برصد نشاطات هذه المجموعات والإبلاغ عن أي نشاط يثير الشبهات. من بين هذه النشاطات، على سبيل المثال لا الحصر، أن يقوم أحدهم بحجز بطاقة إنتخابية لمواطن لقاء وعد بتقديم خدمة من المرشح أو تقديم مال له.
  • من الضروري أن تعتمد منظمات المجتمع المدني خطاً هاتفياً يسمى “الخط الساخن للانتخابات“، (يعمل 24 ساعة) ويكون رقمه معلناً (ويفضّل أن يكون سهل الحفظ) ومعمماً في وسائل الإعلام قبل بفترة كافية من الحملة الانتخابية بحيث يلجأ المواطنون إلى هذا الخط لكي يبلّغوا عن أية وقائع تتعلق بالمال السياسي (أو بالمال الحرام، كما يسمى في المغرب)، أو أية جوانب اخرى تثير الشبهة.
  • من بين الاساليب الفعّالة لمكافحة المال السياسي قيام منظمات المجتمع المدني بحثّ السلطات على معاقبة بعض من تثبت عليهم التهمة، أي بمعنى آخر تفعيل القانون بطريقة حازمة وفورية، إذ يكفي أن يحدث ذلك مع بعض المرشحين لكي يأخذ الآخرون العبرة بحيث يشكّل ذلك رادعاً لمن يريد استخدام المال في شراء الأصوات او إفساد العملية الانتخابية.
  • تعمل منظمات المجتمع المدني، بالتعاون مع الهيئة المستقلة للانتخاب، على بث لقطات وبرامج في محطات التلفزة والإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى تحث فيها المواطنين على محاربة المال السياسي وتظهر أضراره على المجتمع والدولة وعلى الحياة السياسية والنيابية للبلاد، وتناشدهم الإبلاغ فوراً ـ عبر الخط الساخن للانتخابات ـ عن أية وقائع لشراء الأصوات او أية ممارسات تثير الشبهة في هذا المجال.
  • تقوم منظمات المجتمع المدني بإعداد نشرات أو مطويّات أو حتى أوراق صغيرة مكتوب عليها “لا لشراء الأصوات” ، أو “مَنْ يبيع صوته يخون وطنه”ـ على سبيل المثال ـ تشرح بأسلوب مختصر وواضح ومباشر لماذا يجب أن يكون صوت الناخب حراً وما هي نتائج التجاوب مع مغريات “سماسرة الاصوات”. توزع هذه النشرات بكثافة قبل بأيام من الإقتراع وتغطي جميع مناطق البلاد. ويمكنمرافقتها أو إستبدالها بملصقات تعلق في الأماكن العامة وقاعات مراكز الاقتراع وغيرها من الأماكن “الاستراتيجية” في المدن والقرى والمخيمات.
  • تسعى منظمات المجتمع المدني إلى التوصّل إلى ميثاق شرف بين المرشحين تحدّد فيه السقوف المالية للحملات الانتخابية، وبحيث يلزمهم الميثاق بإتباع الوسائل القانونية المشروعة في خوض معاركهم الانتخابية. وهذه المسألة تكتسي أهميتها من حيث إقرار أوساط واسعة في المجتمع بدور الأخلاق في محاربة الفساد في العملية الانتخابية.

هذه بعض المقترحات التي تستهدف الحد من استخدام المال السياسي في الحملات الانتخابية. وبالطبع يمكن التفكير بمقترحات أخرى عديدة مستمدة من واقع التجربة الأردنية وكذلك من واقع تجارب بلدان أخرى. ويبقى أن نعيد التذكير بأن “التحجيم” الحقيقي لذلك المال يتم أساساً من خلال توفير الحريات العامة كاملة ومكافحة الفساد بصورة جادة وفعّالة (وهذه من بين الهموم الرئيسة للمواطن الأردني) ورفع مستوى وعي المواطنين وتمكينهم من ممارسة المواطنة بكل ما تنطوي عليها من حقوق وواجبات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ورقة مقدمة إلى الندوة الإقليمية حول” المال السياسي والحملات الانتخابية في العالم العربي”؛ 8 كانون الاول (ديسمبر) 2012 ـ فندق “لاند مارك”، عمّان ـ الأردن .

** رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان وعضو سابق في مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن ؛ باحث.

المشاركة