على هامش صدور التقرير السادس للمركز الوطني لحقوق الإنسان

433

على هامش صدور التقرير السادس للمركز الوطني لحقوق الإنسان

                                  * د. سليمان صويص

لعل السؤال الأهم الذي يتبادر إلى الذهن لدى الانتهاء من قراءة التقرير السنوي السادس للمركز الوطني لحقوق الإنسان عن “أوضاع حقوق الإنسان في المملكة الأردنية الهاشمية لعام 2009” هو : هل لا يزال هناك من دواع لاستمرار وجود المركز الوطني لحقوق الإنسان ؟

قد يصدم هذا السؤال الكثير من الناس، وقد يتبادر إلى الذهن بأن السبب من وراء طرحه هو الاعتقاد بأن المركز لا يقوم بمهماته على الوجه الصحيح ـ لا سمح الله ـ وهو ما لم يخطر في البال؛ وقد يعتبر البعض طرحه، خاصة من طرف مهتم بحقوق الإنسان، إغراقاً في التشاؤم. لكن قراءة التقرير ـ خاصة الثلاثين صفحة الأخيرة منه قد يبدد هذه الانطباعات.

لدى تقييم المركز لمدى استجابة الحكومات المتعاقبة للتوصيات التي أصدرها “يبق” التقرير “البحصة” ويعترف بأن تلك الاستجابة لا تتجاوز ال 15 بالمئة في أفضل الاحوال، هذا عدا عن المواقف السلبية للحكومات ولمسؤولين والتي لا يأتي التقرير على ذكرها، مثل “عدم الرد” على التقارير، وهو ما يعني بالعربي الفصيح “التطنيش” أو الإهمال، ناهيك عن تصريحات بعض المسؤولين تجاه ما يطرحه المركز من مواقف والتي وصلت إلى حد مهاجمته من طرف وزير الداخلية عام 2005، او في أعقاب صدور تقريري المركز عن الانتخابات البلدية والنيابية التي جرت عام 2007 ـ وكأنه “منظمة أجنبية” وليس مؤسسة تابعة للدولة الأردنية !

قبل أن نمضي في جولتنا مع تقرير المركز عن عام 2009 نود أن نتوقف قليلاً عند نسبة ال 15 بالمئة المذكورة اعلاه والتي تلخص مدى تجاوب الحكومات مع توصيات المركز طوال السنوات الخمس الماضية. ربما لا يزال البعض يتذكر ما كانت تشكو منه تقارير المنظمات الأهلية الأردنية لحقوق الإنسان حيث كانت تؤكد بأن  نسبة تجاوب الحكومات مع الشكاوى التي كانت ترسلها المنظمات إليها عن الانتهاكات لم تكن تتجاوز العشرة بالمئة في أحسن الحالات ! أي أن جميع الجهود الاضافية الماضية لم تزحزح تقريباً الحكومات عن سلوكها التقليدي المعروف، اللهم مع فارق مهم جداً وهو سحب البساط من تحت ذرائع الموقف السلبي غير المبرر. ففي السابق، كانت الحكومات تزعم بأن المنظمات الأهلية لحقوق الإنسان الأردنية “تتجنى على الواقع” ، خدمة لأغراض “خفية”، وهي “تريد أن تلعب دور المعارضة” إلخ…كل ذلك وغيره لكي تبرر تلك الحكومات عدم تجاوبها مع الشكاوى التي كانت تصل إليها والتوصيات التي كانت تتضمنها التقارير الدورية للمنظمات الأهلية كالجمعية الأردنية لحقوق الإنسان أو المنظمة العربية لحقوق الإنسان / فرع الأردن. وإذا افترضنا جدلاً بأن مزاعم الحكومات تلك كانت صحيحة  ومبررة لكي تظهر نفسها بمظهر البرئ والقوي الذي لا يأبه بالاصوات المعترضة على الانتهاكات، فما هو يا ترى المبرر “للتطنيش”  الراهن، وهل يمكن اتهام المركز بأنه “يحمل اجندة خاصة به” وهو ـ أي المركز ـ مؤسسة من مؤسسات الدولة ، مثلما كانت تتهم الحكومات ـ زوراً وبهتاناً ـ المنظمات الأهلية؟!

تعاني أوضاع حقوق الإنسان في بلادنا من حالة تراجع بالرغم من التصريحات الاعلامية للمسؤولين التي تريد أن تقول عكس ذلك. يؤكد هذا الكلام التقرير الأخير للمركز الوطني ولكن بلغة “دبلوماسية” من الطبيعي أن يلجأ إليها، وذلك عندما نقرأ في “التقديم” ما يلي : ” يشير المركز إلى ان هناك ما يعزز الاعتقاد بعدم وجود توجه رسمي على المستوى التنفيذي نحو تعزيز الحقوق والحريات السياسية”، والذي يتمثل باستمرار العمل بقانون الاجتماعات العامة وقانون منع الجرائم والمراوحة في المكان نفسه فيما يتعلق بقانون الجمعيات واستمرار العمل بقانون حماية أسرار ووثائق الدولة لسنة 1970 (وهو قانون مؤقت لم يجد مجلس الأمة الوقت لمناقشته منذ أربعين عاماً !). ويمكن أن نضيف إلى هذه القائمة : استمرار ممارسة التعذيب في السجون والتقييد العملي للعديد من نشاطات الأحزاب والنقابات والجمعيات، والتدخل في شؤون العديد منها بين الحين والآخر والتراجع المريع في وضع الحريات الاعلامية  كما كشفت ذلك بعض التقارير المتخصصة مؤخراً.

وإذا ما انتقلنا إلى ميدان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فالوضع ليس أفضل. ويفصّل التقرير العديد من جوانب هذه الحقوق كالعمل والصحة والتعليم والبيئة والضمان الاجتماعي.

وأخيراً، من الأهمية بمكان أن نتمعن بالتوصيات التي رفضتها الحكومة الأردنية والتي كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد اقترحتها في أعقاب مناقشته لتقرير الحكومة الأردنية الدوري الشامل عن مدى احترامها لحقوق الإنسان (وقد نشرها تقرير المركز الوطني).

كنا نقول قبل بضعة سنوات بان سياسة الحكومات المتعاقبة تتسم ب”الغموض” تجاه حقوق الإنسان، مستندين في ذلك غلى اتخاذها بضعة خطوات إيجابية هنا أو هناك، مع الاستمرار في التشدد تجاه الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين. وكنا نطالب الحكومات بمغادرة سياسة الغموض تلك واستبدالها بسياسة واضحة وصريحة بإتجاه تعزيز حقوق الإنسان.

أعتقد بأنه آن الأوان للتوقف عن تلك المطالبة، حيث أن “الوضوح والصراحة” قد ظهرا بأجلى صورة، ولكن في الإتجاه المعاكس. قوام السياسة الرسمية غير المعلنة تجاه حقوق الإنسان تتلخص على النحو التالي : أهمية ظهور الدولة الأردنية خارجياً بمظهر من يحترم الحقوق والحريات (وفي هذا السياق، فإن وجود المركز مهم كجزء من الديكور المطلوب، مع الاعتذار للتشبيه، ومع كل التقدير للجهود التي يبذلها العاملون فيه)، وذلك لأن هذه المظاهر تقع ضمن الشروط الضرورية لدى الدول الكبرى المانحة من أجل الحصول على المنح والمساعدات والقروض والتسهيلات.. أما الموقف الفعلي على أرض الواقع فهو التشدد وعدم “زحزحة” سياسة فرض القيود على الحقوق والحريات إلا في ظل حالتين : أ) وجود ضغط شعبي قوي وفعال من أجل إلغاء بعض هذه القيود يصعب كسره أو تفتيته؛ و ب) التيقن من أن الاستجابة لبعض المطالب لا يترتب عليها تقديم أية تنازلات سياسية او إرخاء قبضة القيود المفروضة على الحريات، هذه القيود التي أصبحت في العديد من الحالات “مقنّنة”، أي مفروضة على المواطنين باسم القانونن علماً بان العديد من تلك القوانين مخالف للدستور. ولا حاجة لان نذّكر بمدى المآسي ـ ولا نريد ان نقول الجرائم ـ التي وقعت على يد ما يسمى الحياة النيابية التي تقف على أرضية باطلة لان قوانين الانتخاب المتعاقبة كانت تمعن في تزوير إرادة المواطنين.

من العبث أن نظل نخضّ في وضعية حقوق الإنسان بالجملة أو بالمفرّق وإصدار التقارير بشأنها قبل ان تحسم المسألة الأساسية والتي طالما كان يتم التذكير بها “في نهاية المطاف”، ألا وهي وجود إرادة سياسية حقيقية لاحترام حقوق الإنسان.

في ظل دولة قانون ومؤسسات فعلية يتم احترام توصيات التقارير التي تصدر عن مؤسسة تابعة للدولة معنية بحقوق الإنسان، ولا يجوز بأي حال من الاحوال تجاهل الجهد الذي تبذله هذه المؤسسة والعاملين فيها ـ والذين نود التذكير بكونهم أردنيين مخلصين لا يقل حرصهم على الاردن عن حرص المسؤولين الحكوميين.

أما الأردنيون فإن عليهم من الآن فصاعداً ان يعلموا بأن “الحقوق تؤخذ ولا تعطى”، وطريق انتزاع الحقوق رسمه عمال الموانئ العام الماضي وعمال المياومة ونضالات المعلمين من أجل حقهم في نقابة وطنية وغيرها من الفئات.

المشاركة