في مديح النقابات

265

في مديح النقابات *

بقلم : سيرج هاليمي

ترجمة : د. سليمان صويص

بما أن الجميع يدّعي القلق من تزايد أشكال اللامساواة بين البشر، فلماذا إذن مرّ التحليل الصادر عن صندوق البنك الدولي حول هذا الموضوع مرور الكرام (1) ؟ هل بسبب إستخلاصاته ؟  لقد لاحظت باحثتان إقتصاديتان متحدرتان من معبد الليبرالية هذا، في دراسة قُدّمت في آذار الماضي، “وجود علاقة بين إنخفاض نسبة الإنضمام إلى النقابات.. وزيادة حصة المداخيل الأعلى في البلدان المتقدمة خلال الفترة من 1980 ـ 2010”. كيف تُفسّر الباحثتان هذه العلاقة ؟ لقد أتاح إضعاف النقابات المجال ل “زيادة حصة المداخيل المكوّنة من خلال مكافآت العمل للقيادة العليا وللمساهمين”، على حد تعبيرهما، وذلك من خلال “تخفيض تأثير العاملين بأجر على قرارات المؤسسات الصناعية والتجارية”.

وفقاً لهاتين الباحثتين الإقتصاديتين، فإن “ما يقارب نصف” الهوّة الناجمة عن أشكال اللامساواة، التي يُفضّل الليبراليون تقليدياً نَسبَها إلى عوامل غير شخصية (العولمة، التكنولوجيا إلخ..)، كانت تنجم عن تضاؤل دور منظمات العاملين بأجر. هل يجب على المرء أن يُصاب بالدهشة من هذه الخلاصة ؟ عندما يتوارى العمل النقابي، والذي هو نقطة الإرتكاز التاريخية لأغلبية إنجازات التحرّر والإنعتاق، فإن كل شيء يتدهور. إن ضعف العمل النقابي لا يمكن إلاً ان يشحذ شهيّة المالكين لرأس المال. وغياب ذلك العمل يعني إخلاءَ مكانٍ سرعان ما تستولي عليه قوى اليمين المتطرّف والأصولية الدينية،مستخدمة سلاح تقسيم الفئات الإجتماعية التي تتطلب مصلحتها أن تكون موحّدة ومتضامنة مع بعضها البعض.

لكن ما يجب أن لا يغيب عن البال أبداً هو أن طمس العمل النقابي ليس ضرباً من الصدفة ولا علاقة له بالقضاء والقدر ! ففي نيسان 1947، عندما كان الغرب يتأهب للتمتع بثلاثين سنة من الإزدهار الموزّع بصورة افضل قليلاً، ظهر مفكّر ليبرالي هو فريدريش هايك والذي ترك بصماته على القرن العشرين. لقد صاغ هذا المفكر، منذ ذلك الحين، خارطة طريق لأصدقائه السياسيين، إذ كتب يقول : ” إذا أردنا المحافظة على الحد الأدنى من الأمل بالعودة إلى الإقتصاد الحرّ، فإن مسألة تقييد السلطة النقابية هي المسألة الأكثر اهمية”. كان هايك يوعظ في الصحراء في ذلك الوقت. لكن صرخته سُمعت بعد ذلك ببضعة عقود. يعود الفضل في ذلك إلى شخصين كانا معجبين بذلك المفكّر وهما رونالد ريغان (الرئيس الأمريكي الأسبق) ومارغريت ثاتشر (رئيسة وزراء بريطانيا والتي عُرفت بإسم “المرأة الحديدية”) اللذين، بسبب تدخلهما المباشر والفظ خلال نزاعات العمل الكبرى (إضراب المراقبين الجويين الأمريكيين في عام 1981، وكسر إضرابات عمال المناجم البريطانيين خلال 1984 ـ 1985) … لفظت “السلطة النقابية” أنفاسها الأخيرة.

خلال الفترة ما بين 1979 و 1999 إنخفض العدد السنوي للإضرابات التي كان يشارك فيها ألف عامل في الولايات المتحدة من مائتين وثلاثة وخمسين إلى سبعة عشرة ؛ اما عدد أيام العمل “الضائعة” فقد انخفض من عشرين مليون إلى مليونين (2). وتراجعت حصة الأجور من الدخل الوطني. وفي عام 2007، حالما انتخب نيكولا ساركوزي رئيساً للجمهورية قام فوراً بدفع أغلبيته البرلمانية إلى التصويت على قانونٍ يُحدّ من ممارسة الحق في الإضراب في الخدمات العمومية. وفي العام الذي تلاه كان الرئيس الجديد يُلوّح مزهواً، ويصرخ جذِلاً كطفل : “من الآن فصاعداً، عندما يحدث إضراب عن العمل في فرنسا لا أحد يلاحظ ذلك” !

وفقاً للمنطق السليم، كان يجب على دراسة صندوق النقد الدولي أن تُركّز على الضرورة العاجلة، الإجتماعية والسياسية، بتقوية وتعزيز منظمات العاملين بأجر. لكنها فضّلت الخلوص إلى أنه “يبقى تحديد فيما إذا ما كانت زيادة أشكال اللامساواة الناجمة عن إضعاف النقابات هو امرٌ جيّد أم سيء للمجتمع” !…إن جميع أولئك الذين أصبح لديهم فكرة بسيطة عن الجواب سوف يستنتجون بدون عناء الإستخلاص الصحيح الذي يفرض نفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مقال نشرته الصحيفة الفرنسية الشهرية “لوموند ديبلوماتيك” في عددها لشهر نيسان 2015.

(1) فلورنس جوموت وكارولينا بوتيرون ؛ دراسة بعنوان “السلطة والشعب”، المالية والتنمية واشنطن دي. سي. آذار 2015.

(2) جورج ملوان : “ماذا حدث لحركة العمل ؟” صحيفة “وول ستريت جورنال” نيويورك 4 أيلول 2001.

المشاركة