قراءة في التقرير السنوي الحادي عشر عن حالة حقوق الإنسان في الأردن لعام 2014

420

“قراءة في التقرير السنوي الحادي عشر عن حالة حقوق الإنسان في الأردن لعام 2014 الصادر عن المركز الوطني لحقوق الإنسان”

(الإثنين 7 أيلول 2015)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مداخلة د. سليمان صويص، رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

ما فائدة التقارير إذا لم تحظى بإهتمام السلطات المعنية بإحترام حقوق الإنسان ؟

إتجاه في قيادة المركز الوطني يسعى إلى تمييع قضايا حقوق الإنسان الأردني

يأخذ البعض على المنظمات الأهلية لحقوق الإنسان عدم إهتمامها بالتقارير السنوية التي يصدرها المركز الوطني لحقوق الإنسان عن حالة حقوق الإنسان في الأردن، وآخر هذه التقارير هو الحادي عشر الذي صدر قبل اسبوعين. في الواقع، لا يمكن التعميم ؛ إذ أن هناك منظمات تهتم بهذه التقارير وتناقشها، بل وتتواصل مع المركز في قضايا عديدة، والبعض الآخر لا يهتم فعلاً، وربما لا يقرأه ولا يحاول الإستفادة منه.

فيما يتعلق بالمهتمّين بالتقرير ـ ونحن منهم ـ يحتاج الأمر إلى توضيح. فمنذ بداية صدور التقارير السنوية عام 2005 ونحن نخضعها للنقاش وللفحص والتقييم، بل والتعليق عليها إيجابياً في العديد من السنوات. هذا الإهتمام بالتقارير الصادرة عن المؤسسة الوطنية هو جزء من إهتمام واسع بكل ما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان الأردني والسعي إلى تطويرها بكل السبل الممكنة… ولكن، مع مرور السنوات، اكتشفنا بأن لا أحد رسمياً يكترث بالتعليق أو بالملاحظات على التقرير، نحن الذين كنا نردّد وندعو إلى أوسع حوار وطني حول تقارير المركز على إعتبار أن صدورها سنوياً يشكل فرصة ومحطة مناسبة للجميع ـ حكومة ومنظمات أهلية ورأي عام ـ  لكي يقيّموا أوضاع حقوق الإنسان في بلادنا ولو مرة واحدة في السنة. الأخطر من ذلك، أن تقارير المركز السنوية باتت أشبه بنسخ كربونية عن بعضها البعض. وحتى يتأكد الجميع بأن هذا الكلام ليس جزافياً، فإننا ننصح بالعودة إلى تقارير السنوات الخمس الماضية وقراءتها بتمعّن لكي يُكتشف بأن تشخيص حالة كل حق من الحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية لا يختلف في كل تقرير عن الذي قبله إلاّ بمقدار حدوث تطورات عليها، وهي تطورات تكاد تكون محدودة جداً، الأمر الذي يدفع بواضعي التقرير إلى تكرار التوصيات أو “التذكير بالتوصيات” أو “تجديد التذكير بالتوصيات السابقة” أو “التأكيد عليها مجدداً” …. إلى آخر العبارات التي تحمل في الواقع مضموناً واحداً : وهو أن أيٍ من التوصيات الأساسية الهامة لم يعمل أحد في الحكومات المتعاقبة على تنفيذها !…. وبالتالي يمكن الإستنتاج بأن حقوق الإنسان في الأردن في حالة جمود، إن لم تكن في حالة تراجع…

لا يشّذ التقرير الحادي عشر (عن عام 2014) عن هذا الإستنتاج ؛ فمن بين 21 حقاً غطاها التقرير يوجد 15 حقاً تتكرر التوصيات نفسها تقريباً في ختام كل واحد منه، كما وردت في التقارير السابقة، مع بعض الإضافات أو الحذف البسيطة (مقارنة مثلاً بالتقارير عن الأعوام 2013، 2012، 2011، 2010، 2009، 2008). … وحتى الوعد بوضع خطة وطنية لحقوق الإنسان (والأصح ان نقول “حكومية”)… فإنه لا يزال وعداً بالرغم من مضي أكثر من عام ونصف على إطلاقه ! وحتى التوجيه الملكي بمتابعة توصيات التقرير لم يترجم عملياً بعد، بالرغم من التعاميم والتوجيهات والإجتماعات التي تعقد داخل الإدارات الحكومية.

فإذا كان الحال على هذه الشاكلة … فما فائدة الإهتمام بالتقارير ؟ بل ما فائدة التقارير نفسها ؟ (دون أن يعني ذلك بالمطلق طعناً أو تشكيكاً بالعمل والجهد القيّمين اللذان يقوم بهما العاملون في المركز الوطني) … التقارير توضع أساساً لكي تكون موجّهة إلى سلطات البلاد الثلاث التي تلعب الدور الأكبر في إحترام الحقوق أو إنتهاكها، وبخاصة إلى السلطة التنفيذية الذي يعلم الجميع مدى الدور الذي تمارسه في هذا المجال. فإذا كانت هذه السلطات تدير ظهرها للتقارير ولا تكّلف خاطرها بالرد عليها أو مناقشتها أو التفاعل مع توصياتها… فماذا يمكن أن نتوقع من سائر المهتمين بحقوق الإنسان، خصوصاً عندما لا يكون لديهم الوزن والتأثير اللذين للسلطات الثلاث فيما يتعلق بالحقوق والحريات ؟ ! ماذا يمكن لمهتمّين بحقوق الإنسان أن يقولوا أو يعلّقوا ـ إضافة لما قالوه وكتبوه وكرّروه في السابق ـ عندما يلمس المراقب بأن المشكلات الرئيسة التي تقف عقبة أمام تطوير أوضاع حقوق الإنسان لا يريد أحدٌ في السلطات الثلاث، وبخاصة في السلطة التنفيذية، حلّها بالرغم من التشخيص الواضح والتوصيات الواضحة والمكرّرة إلى حدود الملل ؟ ! وفي التقرير الأخير هناك تعبير طريف لم نسمع به من قبل وهو “إدارة الإنتهاكات” من جانب الحكومات، بدلاً من “حلّها” !

لا ، ليس الأمر عدم إكتراث من جانب العديد من المنظمات الأهلية لحقوق الإنسان، بل هو عدم الإكتراث الحكومي الذي يصل أحياناً إلى درجة الإستفزاز، ما يجعل هذه المنظمات وربما أيضاً العاملين في المركز الوطني يصابون بالإحباط واليأس من السياسات الحكومية في هذا المجال.

مشكلة الحكومات أنها لم تدرك بعد بأن السياسة الرسمية تجاه حقوق الإنسان، بشقّيها العلني والفعلي، أصبحت واضحة وجليّة بالنسبة لقطاع واسع من المواطنين وللرأي العام الداخلي والخارجي. السياسة التي كانت قبل عقدٍ أو عقدين من الزمن “غامضة” أو “ملتبسة”، أصبحت اليوم تظهر على حقيقتها ولم يعد التكتم او التمويه، أو حتى استخدام اللغة الخشبية المعهودة أو التنظيرات التبريرية الجديدة قادرة على إخفائها.

علنياً ورسمياً : الإلتزام بحقوق الإنسان وتبنّي كل الخطوات والإجراءات التي تعزّز صورة الأردن الخارجية بجدّية هذا الإلتزام، بما في ذلك نشر بعض الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان في الجريدة الرسمية وإنشاء مركز وطني لحقوق الإنسان، بل وتعيين “منسّق حكومي” لهذه الحقوق.. إلخ (فالمهم، بالنسبة للمواطن العادي هو النتيجة والمخرجات وليس الإجراءات الإستعراضية بحد ذاتها).  فمنذ بداية التسعينات، وفي أعقاب إنتهاء الحرب الباردة، أصبح المسؤولون مدركين جيداً بأن تبنّي خطاب ومفردات حقوق الإنسان أصبح أمراً لا مفرّ منه إذا ما أريد استمرار الحصول على المساعدات والقروض الميسرة وتسهيل أمور الأهداف السياسية الأساسية.

فعلياً ورسمياً : التعامل مع حقوق الإنسان كما لو أنها تأتي في المرتبة ما قبل الأخيرة في جدول الإهتمامات الرسمية. والدليل ليس فقط مضمون تقارير حقوق الإنسان ونتائج المراجعات الدورية والملاحظات الختامية للجان المنبثقة عن الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، بل ما يجري على أرض الواقع … أصبحت منظماتُ حقوق الإنسان وقطاعٌ واسع من المواطنين لا يصدقّون إلاً ما يجري على أرض الواقع، وليس التصريحات المنمّقة التي يطلقها المسؤولون في المناسبات..

على أرض الواقع … لا تزال إدارة الظهر الرسمية هي القاعدة في التعاطي مع المسائل الجوهرية التي تعاني منها أوضاع حقوق الإنسان. ما هي هذه المسائل الجوهرية ؟ إقرأوا تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان وتقارير المنظمات الأهلية، بما فيها التقرير الأخير للمركز الوطني، ولسوف تعرفونها جيداً وبسهولة فائقة؛ وإليكم العناوين فقط :

ـ قانون منع الجرائم؛                     (التقرير ص 27)

ـ قانون محكمة أمن الدولة؛

ـ إنتهاك حقوق الموقوفين إدارياً (مراحل ما قبل المحاكمة)؛

ـ قانون “منع الإرهاب” ؛

ـ الإفلات من العقاب لمرتكبي التعذيب وسوء المعاملة وتعويض ضحايا التعذيب وقبل ذلك وبعده المادة 208 من قانون العقوبات وتعريف التعذيب بحد ذاته بما ينسجم وتعريف إتفاقية مناهضة التعذيب ؛

ـ الإفراط في استخدام القوة والمبالغة في أعمال المداهمة والقبض ؛

ـ ضرورة تعديل قانون التنفيذ رقم 25 لسنة 2007؛

ـ موضوع الجنسية والقضايا المرتبطة بها ؛

ـ الإنتهاكات المرتكبة ضد حرية التعبير والإعلام والإعلاميين والقيود المفروضة في قانون المطبوعات والنشر؛ قانون ضمان الحق في الحصول على المعلومات (والأجدر به أن يسمى “قانون عدم ضمان الحق في الحصول على المعلومات !)؛

ـ القيود العديدة الواردة في القوانين الناظمة للحق في التنظيم والتجمع (قوانين الجمعيات، الأحزاب، الإجتماعات العامة … ) ؛

ـ القيود على العمل النقابي وسياسة كسر الإضرابات العمالية بالقوة بالرغم من مشروعيتها ؛

ـ المشكلات المرتبطة بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية (البطالة، الفقر، الفساد، غلاء المعيشة، العنف ، التعليم، مشاكل الشباب، عدم توفر بُنى تحتية للتمتع بالحقوق الثقافية … ) ؛

وهنا علينا أن نلاحظ، أنه وبإستثناء الحقوق الإقتصادية والإجتماعية، فإن تطوير الحقوق المتعلقة بالعناوين المذكورة أعلاه لا تتطلب كلفاً أو مبالغ طائلة من الخزينة أو الموازنة : كل ما يتطلبه الأمر هو إرادة سياسية وجهود تشريعية مكثفة وجادة لتعديل سلسلة من القوانين المقيّدة لحقوق وحريات أساسية، مع ما يترتب على ذلك من إجراءات إدارية. ونضيف بأن المنظمات الأجنبية الثلاث التي اعتبرت الأردن مؤخراً في المرتبة الأولى من حيث حقوق الإنسان في المنطقة العربية ربما تكون على حق إذا ما قارنا وضعنا بوضع أقطار عربية عديدة تمزقها الصراعات والحروب مع ما يصاحب ذلك من إنتهاكات بشعة يومية لحقوق الإنسان ؛ لكن المقارنة الموضوعية تكون بالعودة إلى “مسطرة” الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتحديداً تلك التي صادقت الدولة الأردنية عليها منذ عقود .

وحتى نكون موضوعيين وصادقين مع أنفسنا ومع الغير : هل لنا أن نطرح التساؤل التالي والذي يهم المركز الوطني بالدرجة الأولى؟ منذ تأسيس المركز الوطني عام 2003 ، ومنذ أن بدأ بنشر تقاريره عام 2005…. هل تغيّرت كثيراً الملامح الرئيسة لأوضاع حقوق الإنسان في البلاد، وهل حدث تغيّر نوعي في هذه الأوضاع مقارنة بما كان سائداً قبل إنشاء المركز ؟

وأخيراً، نلاحظ منذ عامين أو أكثر تغيّراً سلبياً في المنحى الذي تريد بعض الاوساط المتنفذة في قيادة المركز الوطني أن تجرّ المركز إليه. نلاحظ ذلك، على سبيل المثال، في مقدمة التقرير العاشر (عن عام 2013) وفي مقدمة التقرير الاخير التي، وإن كانت تعترف بجوانب عديدة من حقيقة الوضع، إلاّ انها ضمنياً تبحث، كما هو الحال في مقدمة التقرير العاشر، عن أعذار وتبريرات وتنظيرات للتقصير الكبير ـ إن لم نقل للتجاهل ـ الذي تمارسه السلطات الرسمية تجاه مسائل حقوق الإنسان، خاصة الأساسية منها. تحاول المقدمة أن تفسّر الإنتهاكات وكأنها مسائل “فنيّة”بحتة لا علاقة لها بالنوايا أو المعايير والقواعد والمفاهيم ! كما تبرز نبرة جديدة لم نعهدها في تقارير المركز وهي “ضرورة التوازن بين الحرية والأمن” وكأنهما على قدم المساواة. بإختصار هناك محاولات حثيثة ناعمة لتمييع قضايا حقوق الإنسان الأردني، ظاهرها الرغبة في”المناقشة الموضوعية المعمّقة” لهذه القضايا، وجوهرها زج هذه القضايا في متاهات لها أول وليس لها آخر. ونحن نعرف، والتجارب أظهرت لنا، إلى أين يمكن أن توصل مثل هذه الأطروحات والمحاولات الغريبة عن “مؤسسات حماية ورعاية وتطوير حقوق الإنسان”، كما توصف عادة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ومن ضمنها بالطبع المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن.

أما الحديث عن “الطبيعة غير الواضحة للنظام الإجتماعي السياسي الأقتصادي الثقافي” السائد في المملكة… الذي يجعل من الصعوبة فهم كثير من الإنتهاكات أو السياسات أو الممارسات التي تمس حقوق الإنسان”، فإنه كلام ـ أقلّ ما يقال فيه ـ انه غير منطقي وغير موضوعي.. ويبحث عن تبريرات للإنتهاكات. فليس من المعقول، بل من المُهين أيضاً، أن نقول عن دولة سوف تحتفل بعد بضعة سنوات بالذكرى المئوية لتأسيسها بأن طبيعتها غامضة، علماً بأن مئات الكتب والدراسات قد صدرت ـ على الأقل خلال الخمسين سنة الماضية ـ بلغات مختلفة، خاصة العربية والإنجليزية، وحلّلت نشأة وتطور وطبيعة ووظيفة الدولة الأردنية وإقتصادها ومجتمعها وسياساتها وطرق إدارتها !

وإذا ما أردنا أن نفسّر المسار السلبي الذي اتخذته أوضاع حقوق الإنسان مؤخراً فإن علينا التذكير بالهجمة التي بدأت على الحريات العامة وحقوق الإنسان منذ عامين أو أكثر والتي لها عنوان واحد واضح :  الإستفادة من المآلات المأساوية للإنتفاضات الشعبية في بعض الأقطار العربية للقضاء على أي حراك سياسي شبابي أو شعبي يطالب بإصلاحات سياسية جوهرية…. ولذلك يجري التراجع ويتم التشديد ومضاعفة القيود على العديد من الحريات العامة، خاصة الحريات السياسية والإعلامية.

كنا نأمل أن تسمّي مقدمة التقرير الأشياء بأسمائها الحقيقية، كما جرى في تقارير سابقة صادرة عن المركز الوطني نفسه؛ على سبيل المثال : مقدمة التقرير السنوي السادس (عن عام 2009) التي قالت بلا تلعثم ولا تبرير آنذاك : “يشير المركز إلى أن هناك ما يعزز الإعتقاد بعدم وجود توجّه رسمي على المستوى التنفيذي نحو تعزيز الحقوق والحريات السياسية“. وتضيف مقدمة ذلك التقرير : ” لا بد من القول أن تحقيق مزيد من الإنجازات لا يمكن أن يتم إلاً بإقتناع الحكومة بضرورة فتح حوار متواصل وبنّاء بين الحكومة والمركز لدراسة أفضل السبل للإرتقاء بوضوح بالحقوق والحريات في المملكة، ومعالجة الإختلالات من ناحية، ودراسة توصيات المركز إلى الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية دراسة متأنية والأخذ بها وإتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك”. (الخط تحت العبارات من عندنا).

هذا ما كان يجب أن يتم منذ عشر سنوات، عندما بدأ المركز بإصدار تقريره السنوي عام 2005. والمطلوب اليوم هو بالتأكيد المزيد من الرصد والتوثيق وتحليل أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، مثلما فعل المركز مشكوراً حتى الآن. لكن هذه الجهود سوف تظل عرضة للتبديد إذا استمرت الحكومات في مواقفها السلبية على الصعيد العملي (خصوصاً تجاه ما أسميناها “المسائل الجوهرية”) ولم تتفاعل بصدق وإخلاص مع تلك الجهود. كما أن هذه الجهود ستظل مهددة إذا لم يوضع حد لمحاولات إضعاف المركز الوطني ووقف النهج المهيمن الذي يريد تمييع مسائل حقوق الإنسان والبحث عن أعذار للحكومات والإنجرار وراء تبريراتها، بدلاً من وضعها أمام مسؤولياتها والتزاماتها الواضحة.

د. سليمان صويص

رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

عمان في 7/9/2015

المشاركة