كلمة د. سليمان صويص، رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان في إحتفال “ميزان”

348

كلمة د. سليمان صويص، رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان في إحتفال “ميزان”

بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان ومرور 15 عاماً على تأسيس “ميزان” (10/12/2013)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سياسة الدولة الأردنية تجاه حقوق الإنسان غامضة وما تحقق محدود وبطئ

نوجّه التحية في هذا اليوم لكل المناضلين من أجل حقوق الإنسان في بلدنا وفي العالم، بل ولكل إنسان تعزّ عليه قضايا هذه الحقوق. كما نهنأ مؤسسة “ميزان” بعيدها ونتمنى لها المزيد من الإنجازات والنجاح على درب حقوق الإنسان الطويل والشاق.

مضى أكثر من عقدين من الزمن على إعلان الأردن إلتزامه الرسمي بحقوق الإنسان. هل تقدمت أم تراجعت مسيرة حقوق الإنسان منذ ذلك الوقت وإلى أي مدى ؟ سؤال يطرحه الناشطون في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان على أنفسهم وعلى الرأي العام الأردني. لكي نتلمس الإجابة على هذا السؤال ربما ينبغي أن نعود إلى تقارير حقوق الإنسان حول الأردن في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وإلى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. ماذا نلاحظ ؟ معظم المطالب التي كانت مطروحة منذ ثلاثة عقود لا تزال تتكرر، خصوصاً في الأعوام القليلة الماضية. قبل شهرين نشرت “الشبكة الدولية لحقوق الإنسان والتنمية” مؤشراً يقيس ترتيب الدول من حيث درجة إحترامها لحقوق الإنسان ؛ جاء الأردن في المرتبة 95 من مجموع 217 دولة، وسبقته في ذلك دول عربية أربع هي : الإمارات العربية المتحدة ومصر والمغرب وفلسطين.. وقبل أيام نشرت منظمة “مراسلون بلا حدود” مؤشرها الدولي حول ترتيب الدول من حيث توفر وممارسة الحريات الإعلامية، فجاء الأردن في المرتبة 134. وقبل شهرين قدمت في مجلس حقوق الإنسان في جنيف 176 توصية تتعلق بوضع حقوق الإنسان في الأردن…. هذه المؤشرات والأرقام تمر عليها الحكومات مرور الكرام وكأنها غير معنية بها، أو كأنها غير ذات أهمية، ويستمر المسؤولون في التأكيد بكلمات عامة فضفاضة بأن أوضاع حقوق الإنسان “جيدة”.

قد يتساءل البعض : لماذا لا تُقدّم منظمات المجتمع المدني، وبخاصة منظمات حقوق الإنسان إقتراحات ملموسة بدلاً من الإستمرار في التذمر والشكوى من إستمرار وجود إنتهاكات لحقوق الإنسان ؟ والجواب بسيط. لقد سبق لتلك المنظمات وأن قدمت في مناسبات عديدة وعلى فترات مختلفة عشرات الإقتراحات والمطالب والتوصيات إلى الحكومات المتعاقبة… والنتيجة دائماً كانت التشدّد إزاء المطالب الأساسية التي تتيح للمجتمع وللأفراد ممارسة أوسع للحقوق وللحريات الأساسية (قوانين الإنتخاب والجمعيات والأحزاب السياسية والمطبوعات والمطالبة بإلغاء محكمة أمن الدولة وقانون منع الجرائم وإستقلالية القضاء إلخ.. ) ، والتساهل ـ واحياناً القبول ـ بمقترحات تتعلق بحقوق لا يؤثر الأخذ بها على السياسات العامة للدولة في علاقتها مع مواطنيها إلاّ في إطار محدود ؛ كمثال على ذلك : قوانين تتعلق بالمعوقين أو بحماية الأسرة أو بإصلاح السجون إلخ..

النتيجة العملية أن سياسة الدولة تجاه حقوق الإنسان ـ بعد عقدين من إعلان الإلتزام بهذه الحقوق ـ هي سياسة غير واضحة، لا بل غامضة، كما اكّدنا منذ سنوات، وكما استنتج المركز الوطني لحقوق الإنسان ذلك مؤخراً في تقريره السنوي الذي صدر في أيلول / سبتمبر الماضي. ما المقصود بالسياسة الغامضة ؟ بإختصار يتخذ المسؤولون قرارات وإجراءات لا يمكن القول بتاتاً بأنها لاتذهب بإتجاه خدمة حقوق الإنسان، كإنشاء المركز الوطني لحقوق الإنسان على سبيل المثال … وفي الوقت نفسه لا يحرك المسؤولون ساكناً إزاء جملة واسعة من القوانين غير الدستورية التي تفرض قيوداً وتقييدات لا حصر لها على عمل المجتمع المدني الأردني، ناهيك عن الإنتهاكات التي توثقها منظمات حقوق الإنسان والمركز الوطني لحقوق الإنسان.

ما هو تفسير هذا “الغموض” ؟ ليس في الأمر أسراراً على الإطلاق ! دولتنا العزيزة “تهتم” بحقوق الإنسان ، لأن هذا “متطلب” من متطلبات الحصول على القروض والمساعدات من الدول الغربية. فحتى يحصل النظام على هذه الأموال، يُقال له يجب أن يكون لديك دستور وبرلمان وحقوق إنسان وأحزاب ونقابات إلخ.. حتى ولو كان وجودها شكلياً، أو يتم محاصرتها بمختلف الأساليب “الأمنية”، لأن برلمانات الدول الغربية “عيون ساهرة” على كيفية صرف الحكومات لأموال شعوبها. والدليل على ما نقول أن إتفاقية الشراكة الأردنية ـ الأوروبية تتضمن في بندها الثاني شرطاً بضرورة إحترام حقوق الإنسان وتطبيق الديمقراطية، لكن الإتحاد الأوروبي ودوله يغضون الطرف عن كثير من إنتهاكات حقوق الإنسان وعن خروقات جسيمة للديمقراطية في سبيل مصالحهم السياسية والتجارية والإقتصادية، وهو لا يفعل ذلك فقط مع الأردن، بل مع بلدان العالم الثالث كافة. نعود إلى نظامنا العزيز : في ضوء التوضيح السابق يبرز “إهتمامه” بحقوق الإنسان، بمعنى آخر، أن هذا الإهتمام ليس نابعاً من الإيمان بأن تمكين المواطن الأردني من ممارسة حقوقه هو تقوية لدولة القانون والمؤسسات، ومساهمة كبرى في تنمية وتطوير المجتمع سياسياً وثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً ؛ وإلاّ لماذا لا تزال منظمات حقوق الإنسان ـ ومنذ عشرين سنة ـ تطالب بتوفير الحماية القانونية الفعلية للمواطنين الموقوفين إدارياً فور إعتقالهم، وعددهم فاق العشرة آلاف في 2012 ؟ لماذا التعنت وإستمرار تجاهل هذا المطلب إذا كان هناك إيمان حقيقي بحقوق الإنسان ؛ وهو مطلب لا يكلّف شيئاً كما هو الأمر ـ مثلاً ـ مع  حل معضلة البطالة (الحق في العمل) التي تحتاج إلى أموال قد لا تكون متوفرة؟ وقل الأمر نفسه حول المطالبة بإلغاء قانون “منع الجرائم” ـ الذي يعود إلى فترة الحكم العثماني، وغيرها الكثير من المطالب التي يمكن الإطلاع عليها لدى قراءة أي تقرير حول أوضاع حقوق الإنسان في الأردن صادر عن منظمة أهلية أردنية أو حتى عن المركز الوطني لحقوق الإنسان.

بإمكاننا ـ كمنظمات أهلية ـ أن نُقدّم خلال بضعة أيام، قائمة بمطالبنا إلى الحكومة. وقد فعلنا ذلك مرات عديدة كما ذُكر.. لكن هل معنى ذلك أن المشكلة قد حُلّت ؟ الجواب : لا ! لأن هناك سلسلة من الخطوات الواجب إتخاذها من جانب السلطة التنفيذية، وصولاً إلى إعادة صياغة سياسة متكاملة واضحة وشفافة في مجال حقوق الإنسان.

ـ المطلوب التخلي عن “الروح الأبوية” التي لا تزال الحكومات تتعامل بها مع المواطنين، وكأنها هي “الأدرى بمصالحهم” ؛ والرديف لهذه الطريقة في التعامل هو “الزجر” أو الرفض التسلطي أو التجاهل في أفضل الأحوال لمطالب حقوق الإنسان والحريات العامة، ومطالب وقف الإنتهاكات بحقها.

ـ المطلوب التخلي عن الخطاب الفضفاض العام عن مسائل حقوق الإنسان والإعتراف بالحقائق بدلاً من إستمرار المراوغة أو إنتهاج أسلوب النعامة. التخلي عن سياسة إدارة الظهر للمطالب والتوصيات التي تزخر بها تقارير منظمات حقوق الإنسان ومذكراتها إلى السلطات الحكومية وكذلك تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان.

ـ المطلوب أن تتخلى السلطة التنفيذية عن عقلية أن الحقوق هي “مِنّة”  “تتكرم” بها على المواطنين، تمنحها لهم وقتما تشاء وتحجبها عنهم وقتما تشاء. وأن تدرك بأن ممارسة هذه الحقوق ـ سواء أعجب ذلك  تلك السلطة أو أغاظها ـ هو ترجمة لنصوص واردة في الدستور الذي من المفترض أن يخضع له الجميع ” والجميع هنا لا تعني فقط المواطنين، بل أساساً الحكام”. نقول ذلك لأن السنوات القليلة الماضية شهدت تفاقماً لخروقات جسيمة يقوم بها مسؤولون للدستور، لم يعقبها ـ في معظم الأحيان ـ أي محاسبة جادة. منذ خمس سنوات على الأقل والحكومات المتعاقبة تتجاهل توصيات تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان، إلى ان أمر جلالة الملك مؤخراً حكومة النسور بضرورة العمل على تنفيذ تلك التوصيات، فتشكلت أخيراً لجنة لدراستها والبت فيها. ولا يعني ذلك بأن “السياسة” قد تغيّرت، لأن علينا أن ننتظر نتائج عمل تلك اللجنة حتى نحكم لها أو عليها.

ـ المطلوب بناء علاقة تنسيق وتعاون وشراكة فعلية مع منظمات المجتمع المدني، وليس الإكتفاء بالتغني بهذا “التنسيق” في التصريحات الرسمية المعسولة، في حين تفرض القيود على عملها ويتم تجاهلها بالكامل عند إتخاذ القرارات التي تمس وتهم المواطنين وحقوقهم.

ـ المطلوب إنقاذ المركز الوطني من التهميش المتزايد الذي يمارس إزاء مهماته وعمله والعاملين فيه، وإصلاحه من خلال تعديل قانونه بحيث ينسجم مع المعايير الدولية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وضرورة وجود وتمثيل أكبر وحقيقي للمنظمات الأهلية الفاعلة في هيئاته.

قبل أن نختتم نود أن نناقش مقولتين كثيراً ما يردّدهما البعض عن حسن أو سوء نية، ومفادها الإجمالي ما يلي ” لا تلوموا الحكومة، الواقع أنه ليس لها أي موقف معاد لحقوق الإنسان. المسألة ببساطة تصرفات مزاجية أو تعبّر عن إهمال أو تصرفات فردية” إلخ … إن هذا منطق لا يستقيم ولا يمكن قبوله حتى وإن صحّ في بعض الأحيان. إننا نحكم على نهج جرى إختباره على مدى أكثر من عقدين من الزمن. وإذا كانت هذه الحجة صحيحة، فلقد كان بالإمكان معالجتها خلال بضعة سنوات لو توفرت السياسة الواضحة الشفافة والمخلصة تجاه قضايا حقوق الإنسان. الأمر الثاني الذي يدحض هذا المنطق : لماذا عندما يتعلق الأمر بالطبطبة على قضايا فساد وأمور أخرى خاطئة تجري في إدارة الدولة فإنه يتم معالجتها بسرعة وكفاءة ؟ ألا يلاحظ مروجو تلك المقولة بأن علاقة الدولة بالمواطنين والسياسات التي تطبّق عليهم ينقصها الكثير من الشفافية، ليس فقط في مجال حقوق الإنسان، بل في مجالات اخرى عديدة ؟

المقولة الأخرى : أننا بإصرارنا على إحداث تقدم حقيقي في الحقوق الأساسية للإنسان الأردني “يغيب عن البال طبيعة المجتمع الأردني وضرورة الأخذ بعين الإعتبار درجة تطوّره والظروف الإقليمية” إلخ.. وهنا أيضاً لا نفهم التناقض الذي يُوقع أصحاب هذه المقولة أنفسهم به. ألم يسمعوا المسؤولين يشيدون بالمستوى الذي وصل إليه المجتمع والمواطنون من الوعي والتقدم سواء على الصعيد التعليمي أو الإجتماعي أو السياسي أو الإقتصادي، بل أن المؤشرات الإحصائية للأمم المتحدة تضع الأردن من بين الدول المتوسطة التقدم ؟ لماذا عندما نصل إلى حقوق الإنسان ندير الظهر لهذه التصريحات ونسمع نغمة أخرى مفادها “أن مواطننا ليس واعياً بعد، ولا يمكن ترك الحبل على الغارب” ؟ لنتأمل فقط ـ على سبيل المثال ـ كيف تم ويتم التعامل مع مطلب الأردنيين الأساسي بتغيير القانون الإنتخابي المسمى بالصوت الواحد منذ نحو عشرين سنة ؟ أليس هذا تبريراً فظاً لسياسيات غير معلنة لا تؤمن أصلاً بأن للمواطن الأردني حقوقاً يجب التسليم بها فعلياً وليس فقط كلامياً ؟

لماذا نصارحكم ونصارح الحكومة بهذا كله ؟ هل لأننا لا نرى النصف الملآن من الكوب (الحقوق التي ناضل الأردنيون طويلاً من أجل الفوز بها وتكريسها)، ونركّز على النصف الفارغ (الإنتهاكات وتجاهل ضرورة إزالة العديد من القيود التي تحول دون ممارسة عدد كبير من الحقوق، بما في ذلك حقوق دستورية) ؟ كلا ! نقوله لأننا نريد الخير والتماسك لمجتمعنا وللدولة الأردنية. نقوله لأننا نتمنى بإخلاص بأن لا يحدث عندنا ما حصل في بعض الأقطار العربية والمجاورة خلال السنوات القليلة الماضية. هناك عدم ثقة أصبح موجوداً بشكل واضح بين الدولة والمواطنين في السنوات الأخيرة لأسباب ليس هنا المجال للخوض فيها. هناك العنف المجتمعي والجامعي والشبابي الذي يضرب بلدنا منذ سنوات. هناك ميل متزايد لدى المواطنين ـ للأسف ـ بأن يأخذوا “حقهم بيدهم”، بما أن الدولة لا تهتم بهم وبحقوقهم، ويلاحظون ـ ربما عن مبالغة ـ  بأن الدولة تدافع فقط عن الأغنياء والفاسدين ! هذه كلها مؤشرات خطيرة ومقلقة جداً. نحن ندعو إلى النضال الديمقراطي السلمي الجماعي للوصول إلى الحقوق ونشدّد عليه. وإذا إعتقد المسؤولون بأن تلك المشكلات تعالج من خلال حلول أمنية صرفة، فهم واهمون ومخطئون. الحلول سياسية، وأوّلها تبني سياسات تنسجم مع حقوق أغلبية المواطنين إن لم يكن جميعهم.

إن خير ما نختتم به هذه الكلمة تذكيرٌ بفقرة من ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نحتفل اليوم بالذكرى الخامسة والستين لصدوره :

” …ولمّا كان تجاهل حقوق الإنسان وإزدراؤها قد أفضيا إلى اعمال أثارت بربريتها الضمير الإنساني، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة، كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم….

… ولمّا كان من الأساسي أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ألاّ يضطروا آخر الأمر إلى اللياذ بالتمرد على الطغيان والإضطهاد…. “

المشاركة