مذكرة إلى مدير الأمن العام

279

الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

 

مذكرة مقدمة من الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان إلى عطوفة الأستاذ اللواء عاطف السعودي، مدير الأمن العام المحترم / عمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 تود الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان أن تهدي تحياتها إلى عطوفتكم وتشكركم على إتاحة هذا اللقاء، كما وتشكر الأستاذ باسل الطراونة، المنسّق الحكومي لحقوق الإنسان في رئاسة الوزراء على جهوده في تنظيم هذا اللقاء.

نود بداية أن نعبّر عن تقديرنا للجهود التي تبذلها مديرية الأمن العام للحفاظ على الأمن والإستقرار في البلاد، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي تمرّ بها جرّاء النزاعات المسلّحة في دول الجوار وتداعياتها كتدفّق أعدادٍ كبيرة من الأخوة اللاجئين إلى الأردن، مع ما يستتبع ذلك من معضلات إقتصادية وإجتماعية وأمنية وسياسية.

لا يخفى على عطوفتكم بأن السياسة الحكيمة في المجال الأمني هي تلك التي تسعى على الدوام إلى الموازنة بين دواعي إحترام حقوق الإنسان ودواعي الأمن. إن توفير الأمن على حساب كرامة المواطن وحقوقه الأساسية هو “أمن ملغوم” ـ إذا جاز التعبير ـ ذلك لأنه سيدفع بالإنسان المقهور المنتهكة حقوقه إلى تهديد الأمن، إن عاجلاً أم آجلاً. وقد جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عبارة تشير إلى هذا المعنى.

من هنا، نود في هذا اللقاء طرح أبرز الملاحظات التي تراكمت لدينا من خلال تلقّي الشكاوى من المواطنين ـ ونحن نتلقى الشكاوى منذ تأسيس جمعيتنا عام 1996 ـ وهي شكاوى تتضمن في أغلب الأحيان وقائع عن إنتهاكات كثيرة لحقوق المواطنين تقع على يد أفراد من جهاز الأمن العام. نرغب هنا في إيجاز هذه الملاحظات، علماً بأننا على إستعداد لتقديم كل ما يثبت تلك الملاحظات :

أولاً : المداهمات والأساليب المتبعة عند التوقيف : يلاحظ في كثير من الأحيان لجوء أفراد الأمن العام إلى القوة المبالغ فيها وغير المبررة من أجل توقيف شخص مشتبه به؛ ويتم ذلك في ظروف غير مفهومة وغير منطقية (بعد منتصف الليل)، تؤدي أحياناً إلى ترويع أفراد عائلة الشخص المستهدف وجيرانه وعائلاتهم، وتخلق أجواء معادية لجهاز الأمن العام في المنطقة التي تتم فيها عملية الإعتقال، وهو ما لا نرغب فيه. ويترافق مع تلك الأساليب عنف وشتائم وإجراءات قاسية تتنافى مع أبسط قواعد إحترام كرامة الإنسان، فضلاً عن أنها غير مبررة، حتى أمنياً.

ثانياً : تعامل أفراد مراكز الأمن والسجون مع المحامين والمواطنين العاديين : يشكو العديد من المحامين من التعامل غير اللائق والمتكبّر، والفظ احياناً، معهم ومع المواطنين العاديين أو المرافقين لمحامين من جانب بعض المراكز الأمنية والمتصرفيات. على سبيل المثال، بعث أحد المحامين ذات مرة إلى الجمعية صور فيديو التقطها بواسطة هاتفه الخلوي وتظهر شرطياً ينهال بالضرب على أحد المواطنين في الساحة أمام قصر العدل، وكان المحامي شاهداً على الحالة إذ أكّد بأن المواطن لم يرتكب أي عمل أو تصرف يستدعي مثل هذه المعاملة. وفي حادثة أخرى مشابهة جرت في مركز أمني قريب من عمان (صويلح) وكاد المحامي نفسه أن يتعرض للضرب ؛ وفي هذا الإطار، نعتقد بأن أفراد الأمن العام لا يعرفون شيئاً عن بعض مذكرات التفاهم المعقودة مع بعض المؤسسات، كمذكرة التفاهم مع نقابة المحامين على سبيل المثال.

وفي السياق ذاته، نشير أيضاً إلى التعامل غير اللائق لرجال السير مع المواطنين، إذ يسود شعور واسع بين المواطنين بأن الهدف هو المعاقبة والجباية وليس تسهيل أمور الناس والسير عبر تطبيق القانون.

ثالثاً : سوء المعاملة والتعذيب والممارسات اللانسانية والحاطة بالكرامة: يتعرض موقوفون وسجناء في العديد من الأحيان إلى سوء معاملة وشتم وتحقير وضغوط نفسية وإبتزاز وضرب شديد وتعذيب، بل و إلى التعذيب حتى الموت أحياناً ؛ وآخر شكوى وصلت الى الجمعية في هذا المجال، قبل أسبوع، تتعلق بعامل مصري تعرّض للضرب الشديد في مركز أمن ضاحية الياسمين ؛ وقبلها بشهر حادثة وفاة المرحوم المواطن عمر النصر (عمان)  والذي لا نزال ننتظر نتائج التحقيق في ظروف وفاته في مبنى البحث الجنائي بالعبدلي.

نرجو أن لا نظل نسمع الإسطوانة المشروخة والتي لم يعد يصدقها أحد، لا داخل الأردن ولا خارجه، والتي يرددها المسؤولون منذ ربع قرن عن أن “هذه ليست سياسة، إنها تصرفات فردية”، وكأن هناك دولة في العالم تعلن رسمياً بأنها تنتهج التعذيب كسياسة ! والمؤلم والمؤسف جداً في آن واحد أن الحكومة الأردنية نفسها تعترف في تقريرها الدوري الثالث المقدم إلى اللجنة المنبثقة عن الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب بأنها لم تفعل الشيء الكثير على هذا الصعيد خلال أكثر من خمسة عشر سنة. يا تُرى، هل لو تم تثقيف أفراد الأمن العام منذ عشرين عاماً بالإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادق الأردن عليها، خاصة إتفاقية مناهضة التعذيب، ولو تم تطبيق عقوبات رادعة بحق من يمارس التعذيب أو يأمر به… هل كنا لا نزال نتحدث اليوم عن “وقائع تعذيب وسوء معاملة” ؟

رابعاً : الأوضاع المزرية لبعض السجون وضرورة معالجتها ومعالجة مشكلة الإكتظاظ : يحضرنا في هذا المجال أولاً أوضاع سجن الجويدة / رجال والذي اعترف المسؤولون أنفسهم بأن أوضاعه لا تليق بالإنسان، ووعدوا منذ أكثر من عشر سنوات بالتخلص من المبنى الحالي وإستبداله بمبنى آخر تتوفر فيه الشروط المطلوبة من النواحي الصحية والإجتماعية والخدماتية. وبهذا الصدد نحيّ التوجه لإعتماد العقوبات البديلة، ونطالب بالإسراع في تنفيذه، وهو توجهٌ يمكن أن يساهم في التخفيف من الإكتظاظ وتخفيض النفقات على الدولة، وتطوير مفهوم الإصلاح والتأهيل. ونتساءل هل لا يزال التوجه موجوداً لدى المسؤولين بنقل مسؤولية السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل، كما صرّح بذلك معالي وزير الداخلية السابق السيد حسين المجالي عام 2012 ؟

خامساً : الإفلات من العقاب لمن ثبت بأنه يمارس التعذيب او الممارسات اللانسانية أو أمر بالقيام بها من أفراد الاجهزة الأمنية. إن الكثير من القضايا المرفوعة أمام محكمة الشرطة (وهي محكمة لا تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة) تبقى مجمّدة، وهذا ما تظهره الأرقام الواردة عن المحكمة عن السنوات 2012 و 2013 و 2014.

سادساً : عدم حصول المواطنين ممن ثبت تعرّضهم للتعذيب على أي تعويض، خلافاُ لما هو وارد في الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي صادقت الدولة الأردنية عليها منذ عام 1991.

سابعاً : عدم التجاوب، في معظم الأحيان، مع الرسائل التي توجهها منظمات حقوق الإنسان، ومن بينها الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان، إلى وزارة الداخلية بخصوص شكاوى مواطنين تعرضت حقوقهم للإنتهاك من جانب أفراد في الأجهزة الأمنية. إن مثل هذه الطريقة في التعامل مع منظمات المجتمع المدني الأردني تتعارض تماماً مع الخطاب الرسمي الذي نسمعه ويكرر الحديث عن “تعاون الحكومة مع تلك المنظمات” وب “أننا جميعاً في مركب واحد” !

عطوفة الأستاذ مدير الأمن العام،

إن الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان إذ تعرض لهذه المآخذ والإنتهاكات لحقوق الإنسان التي تقع على يد أفراد من الأمن العام، وبخاصة على يد أفراد البحث الجنائي، فإنها في الوقت نفسه تطلب من عطوفتكم إتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لوضع حدٍ للعديد من الممارسات المنافية لحقوق الإنسان وتطبيق “قواعد الحد الأدنى لمعاملة السجناء” التي وضعتها الأمم المتحدة منذ عام 1955، وإحترام الدستور الأردني الذي يحظر التعذيب (المادة 8 الفقرة 2) وتطبيق التزامات الأردن في الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب. ونلفت إنتباه عطوفتكم إلى أن الرسائل التي توجهها الجمعية إلى المسؤولين تطالب دائماً بالتحقيق في الإتهامات الواردة في الشكاوى، لكنها نادراً ما استلمت ردوداً على تلك الرسائل من وزارة الداخلية. كما نود أن نلفت إنتباه عطوفتكم بأن التقارير السنوية التي يصدرها المركز الوطني لحقوق الإنسان كثيراً ما يرد فيها وقائع شبيهة بالملاحظات والإنتهاكات التي تطرحها الجمعية في هذه المذكرة، فضلاً عما تورده تقارير أخرى عديدة تصدر عن منظمات أردنية وعربية وعالمية، دون أن ننسى مناقشات المراجعة الدورية الشاملة لوضع حقوق الإنسان في الأردن، في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وقريباً مناقشة التقرير الدوري الثالث للأردن أمام اللجنة المنبثقة عن الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب.

عطوفة الأستاذ مدير الأمن العام،

نتمنى عليكم نشر المادة 8 من الدستور الأردني، وملخصاً لإتفاقية مناهضة التعذيب في جميع المراكز الأمنية التابعة لمديرية الأمن العام بصورة بارزة بحيث يطّلع عليها أفراد الأمن العام والمواطنون سواء بسواء ؛ والعمل على تثقيف هؤلاء الأفراد بضرورة إحترام كرامة الإنسان وحقوقه، حتى لو كان مرتكباً جريمة. والجمعية على إستعداد لتزويد الأمن العام بنسخ من إتفاقيات حقوق الإنسان.

ختاماً، نود التذكير بأننا إذ نطرح هذه المسائل أمام عطوفتكم بهذا الوضوح والصراحة، فلأننا نحب وطننا الأردن ونحب الإنسان فيه، ونغير على كرامته ونسعى لكي ينال حقوقه كاملة، دون الإنتقاص بالطبع من ضرورات توفير الأمن والإستقرار لبلدنا ، والذي يعتبر جهاز الأمن العام دعامته الرئيسة.

تفضلوا، عطوفة الأستاذ اللواء، بقبول مشاعر الإحترام والتقدير.

 

الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

عمّان في 3 تشرين الثاني 2015

المشاركة