مذكرة مقدمة إلى “المنتدى الوطني لحقوق الإنسان”

468

الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

مذكرة مقدمة إلى “المنتدى الوطني لحقوق الإنسان”

 

السادة / المنظمون ل “لمنتدى الوطني لحقوق الإنسان : نحو شراكة فاعلة”

الأستاذ لزهر علوي، رئيس فريق الخبراء ، البحر الميت / الأردن

تحية طيبة وبعد،

تود الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان أن تعبّر لكم عن شكرها العميق للدعوة التي وجهتموها إليها للمشاركة في أعمال “المنتدى الوطني لحقوق الإنسان”، المنعقد في الفترة من 2 ـ 3 كانون الأول (ديسمبر) 2015 في فندق الموفينبيك / البحر الميت.

لقد قرأنا بإهتمام شديد البرنامج المرفق بالدعوة، وكذلك الأهداف التي يطمح هذا اللقاء إلى تحقيقها، بالتعاون مع جميع الأطراف المعنية.

إننا، ومع تقديرنا العالي للأهداف النبيلة التي يسعى إليها مشروع “دعم المجتمع المدني : الحوار والمشاركة في الأردن”، إلّا أننا  ـ نحن في الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان ـ ومن واقع خبرتنا التي راكمناها على مدار ما يقارب العقدين من الزمن، نتمنى أن يتسع المجال خلال هذين اليومين، لإجراء مراجعة فاحصة للسياسة الأردنية الرسمية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك مسائل الحوار والمتابعة والعلاقة مع منظمات المجتمع المدني إلخ…

إن القفز عن هذه المراجعة التقييمية المهمة، والدخول في مناقشاتٍ ، كما لو أننا نبدأ من نقطة الصفر، ينطوي على خطأ منهجي وتجاهلٍ وتغييبٍ لدروسٍ ونتائج يجب أن تُؤخذ في عين الإعتبار عند صياغة أية خطة مستقبلية ـ هذا إن لم نقل بأنه يجب الإنطلاق تحديداً من هذه الدروس والنتائج، إذا ما كنا مخلصين وجادين حقاً في الوصول إلى “شراكة فاعلة” حقيقية في المستقبل بين الطرفين الرسمي والأهلي.

لا نتجنى على الحقيقة إذا قلنا بأن السياسة الأردنية الرسمية في مجال حقوق الإنسان ـ التي دُشّنت بداية تسعينات القرن الماضي ـ كانت غامضة، ويعتورها الكثير من الخلل وعدم الإنسجام ما بين الأقوال المعلنة والأفعال المطبّقة على أرض الواقع. كنا نتوسّل العذر آنذاك في استكشاف طريق جديد لم يكن مطروقاً من قبل لا على الصعيد الرسمي ولا الأهلي ؛ كما أن الظروف السياسية الإقليمية (حرب الخليج الثانية، والدخول في مفاوضات السلام)، وإنعكاساتها على بلدنا لم تكن تسمح بإعطاء الوقت والجهد الكافيين للتقدم في هذا المجال الحيوي، والذي لم يكن من الأولويات الرسمية آنذاك.

ومع تأسيس المركز الوطني لحقوق الإنسان عام 2003، اعتقدنا بأن هذا الغموض قد يكون في طريقه إلى التلاشي لكي يحلّ محلّه وضوح تام في القول والعمل. لكن مرور ما يزيد عن عقدٍ من الزمن على تأسيس المركز أثبت لنا مجدداً بأن سمة الغموض لا تزال هي الغالبة على السياسات الحكومية في مجال حقوق الإنسان. ونقصد بالغموض تحديداً : إتخاذ إجراءات تناقض بعضها البعض، ولا تنمّ عن رؤية وممارسة متماسكة ومتكاملة تجاه حقوق الإنسان؛ فمن جهة، كنا ـ ولا نزال ـ شهوداً على إجراءات إيجابية، نمتدحها لأنها في إعتقادنا لا يمكن إلاّ أن تخدم حقوق الإنسان، كإنشاء المركز الوطني لحقوق الإنسان ـ على سبيل المثال ؛ ومن جهة أخرى، على صدور قوانين وإجراءات وممارسات تبعث على الإعتقاد بأن هنالك “تساهلاً” أو ربما عدم ردعٍ كافٍ لإنتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، تم توثيقها وتقديمها إلى السلطات الرسمية ـ من قِبل جمعيتنا ومن قِبل المركز الوطني لحقوق الإنسان ومنظمات أخرى عديدة، ولكن دون أن تتجاوب تلك السلطات بالقدر الكافي لوضع حدٍ لها.

أجلّ، أصبح المسؤولون الحكوميون والإعلام الحكومي، يروّجون، مع مرور السنين، لمقولات برّاقة وجذّابة تتحدث عن “الشراكة” ما بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، وتتحدث عن كون “الطرفين في مركبٍ واحد” ـ خاصة في مجال حقوق الإنسان، بل وتعدّى هذا الخطاب إلى درجة الحديث عن “تنسيق” بين الطرفين. ويؤسفنا جداً القول بأن تطبيقات ذلك ظلّت محدودة وآثارها لا تكاد تظهر للعيان. وفي أغلب الأحيان كانت تُستخدم من أجل “التلميع الإعلامي” للسياسات الحكومية ول “ذر الرماد في العيون” . وإذا أردنا أن نضرب أمثلة على ذلك ـ وهي كثيرة ـ فلربما نشير إلى ما جرى بخصوص “المراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان” في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تشرين الأول (أكتوبر) 2013، وإلى التجاهل “المزمن” لعشرات المذكرات والمطالب التي قدمتها منظمات المجتمع المدني إلى المسؤولين وتتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وبمطالب شعبية وقضايا وطنية عديدة، ومؤخراً إلى مناقشات لجنة مناهضة التعذيب للتقرير الحكومي الدوري الثالث عن مدى احترام  الأردن للإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب (تشرين الثاني / نوفمبر 2015)، تلك المناقشات التي أكّدت بأن السلطات الرسمية ليست في وارد الأخذ بأي من المطالب الشعبية، حتى تلك التي ألّحت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب على الحكومة الأخذ بها، لأنها تشكل إلتزامات للدولة الطرف في الإتفاقية.

وكيف يمكن لنا أن ننسى ذلك التجاهل الصارخ الذي أبدته الحكومات المتعاقبة تجاه تقارير وتوصيات المركز الوطني لحقوق الإنسان ؟ لقد شعرت الحكومة الحالية عام  2013 بأن ذلك التجاهل وصل إلى حد “يفلق الصخر” ـ كما يقال، فأوعزت بتشكيل لجنة لدراسة تنفيذ التوصيات، لنفاجأ بعد ذلك بعامين بأن “فريق التنسيق الحكومي لحقوق الإنسان” يريد أن يُعدّ “تقريراً” يردُّ فيه على تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان الصادر عن عام 2014 !   … وكأن الفريق الحكومي هو أكثر خبرة ودراية في هذا المجال من المركز الوطني .. أللهم إلاّ إذا كان الهدف من التقرير “المضاد” هو تبرير السياسات والممارسات الحكومية في مجال إنتهاكات حقوق الإنسان التي تحدّث عنها تقرير المركز الوطني (ونحن حتى هذه اللحظة نتحدث عمداً فقط عن تقارير “المؤسسة الوطنية” ـ أي مؤسسة الدولة في هذا المجال، ولم نأت على ذكر تقارير المنظمات الأهلية المستقلة والمنظمات الإقليمية والدولية التي لديها أيضاً الكثير من المعلومات الموثّقة عن إنتهاكات لحقوق الإنسان جرت وتجري ـ للأسف الشديد ـ في بلدنا الأردن الذي نغار على سمعته الدولية أيضاً).

بعد ذلك، وصل إلى علمنا بأن هناك “ضباط إتصال” في كل وزارة أو إدارة حكومية، معنيون بمسائل حقوق الإنسان. وهناك مكاتب ومديريات متخصصة بذلك… ومع ذلك فإن هذا كله لم يؤدي إلى تحسّن جوهري أو هام في وضع حقوق الإنسان في البلاد، بل يحدث تراجع في عدد من المجالات الأساسية كحرية التعبير والإعلام والصحافة.

نستعرض ذلك كلّه لكي نقول بصريح العبارة بأن “الحوار والشراكة والمأسسة في مجال حقوق الإنسان” عُملات جرى إستهلاكها طوال الفترة الماضية، ولم تؤدي إلى تقدم وضعية حقوق الإنسان، كما تشهد على ذلك التقارير والمراجعات أمام لجان الأمم المتحدة. هذه حقيقة يجب أن يقف أمامها بكل إخلاص وجرأة وصدق مع الذات “المنتدى الوطني لحقوق الإنسان”، إذا ما أراد السير إلى الأمام ؛ ولا نخاله يرغب في العودة إلى الوراء لكي “يُجرّبَ المُجرّب”.

تدرك الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان وتقدّر حجم الأخطار التي تحيط ببلدنا ـ خاصة في هذه الظروف الدقيقة التي لا تزال فيها نيران الحرائق تشتعل من حول الأردن، وحيث ينتشر التطرف بأشكاله الأكثر همجية وعنفاً، وتقدّر الجمعية جميع الجهود المبذولة لحماية الأمن والإستقرار . لكننا نلاحظ ـ ويلاحظ معنا كثيرون ـ بأن المحافظة على هذا الأمن، كما يرى مسؤولون، هو “شيك على بياض” للإستمرار في السياسات التي طالما كانت موضع شكوى وتذمر ورفض من قبل قطاع واسع من المواطنين ومنظمات المجتمع المدني. إن “مكافحة الإرهاب والتطرف” ـ كما تثبت التجارب ـ لا يمكن أن يكون مجدياً على المدى البعيد إذا إقتصر على الجانب الأمني ؛ فالمعالجة الناجعة يجب أن تطال الأسباب والجذور بما في ذلك إحترام كرامة الإنسان وتمكينه من ممارسة حقوقه على الوجه الأكمل.

إن الطرف المعني بتوضيح سياسته ومواقفه تجاه حقوق الإنسان والعلاقة مع منظمات المجتمع المدني هو الطرف الحكومي، والطرف الحكومي تحديداً. نريد أن نسمع منه بلغة واضحة لا لبس فيها :

  • هل يريد إحترام حقوق الإنسان في البلاد فعلاً وقولاً، أم أن “حقوق الإنسان” هي ـ بالنسبة له ـ ورقة للإستهلاك الخارجي يقول للدول الغربية المانحة للمساعدات والقروض من خلالها بأن الأردن يحترم حقوق الإنسان ، وبالتالي لا مانع من منح القروض والمساعدات له ؟
  • على الطرف الحكومي أن يقدّم إجابة واضحة لا لبس فيها : هل يؤمن حقاً بأن منظمات المجتمع المدني شريك في التنمية أم أن المطلوب منها فقط ان تكون تابعة ـ وربما منفذة ـ للسياسات الحكومية في المجالات المختلفة، وبالحد الأدنى مصفّقة ومؤيدة لهذه السياسات ؟

 وما هي الضمانات لكي لا ينقلب الطرف الحكومي على جميع تعهداته عندما لا تتوافق هذه مع سياساته، وقد وقع ذلك في مرات عديدة سابقة ؟

 نقولها بوضوح ونطالب بها : إن الضمانة الوحيدة لكي تلتزم السلطة التنفيذية بتعهداتها هو العمل على إقرار تعديل دستوري أو قانوني يلزم الحكومة بالأخذ بعين الإعتبار بمواقف وبرامج منظمات المجتمع المدني والتنسيق الفعلي  ـ وليس الشكلي ـ معها في المجالات كافة التي تهم الوطن والمواطنين.

نتمنى أن يخرج “المنتدى الوطني لحقوق الإنسان”  بمثل هذه النتيجة أو ما هو قريب منها لكي نؤسس فعلاً لبداية جديدة مفعمة بالتفاؤل والأمل والطموح ؛ وعندها سنضع أقدامنا جميعاً ـ جهات رسمية ومجتمع مدني ـ على الطريق الصحيح. وبفضل هذه الروحية وهذا التعاون الذي كنا ولا نزال ننشده وندعو إليه سوف يكون بمستطاع الأردنيين والأردنيات التغلب على جميع الصعاب ومواجهة التحديات.

تفضلوا، السادة المنظمون، بقبول مشاعر الاحترام والتقدير.

الجمعية الاردنية لحقوق الانسان

عمّان في 2 كانون الأول / ديسمبر 2015

المشاركة