مقابلة الشبكة الدولية للحقوق والتنمية مع د. سليمان

484

مقابلة الشبكة الدولية للحقوق والتنمية (GNRD) مع : د.سليمان صويص، رئيس الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان

 السؤال 1 : هل تخبرنا ما معنى ناشط أو مدافع عن حقوق الإنسان ؟

الجواب : المدافع عن حقوق الإنسان هو ذلك الشخص الذي يؤمن إيماناً عميقاً بحقوق الإنسان، ويناضل من أجلها كل يوم بكل تفانٍ وإخلاص، كما لو أنها إلتزام شخصي. وهو بنظري أيضاً ذلك الشخص الذي يدافع بلا تردد ولا مساومة عن جميع حقوق الإنسان بدون إستثناء ويدافع عن حقوق كل إنسان، كما هو منصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر الإتفاقيات والصكوك الدولية لحقوق الإنسان بدون أي تحيّز أو تمييز من أي نوع كان. وهو قبل ذلك وبعده، يجسّد الإلتزام بهذه الحقوق في سلوكه اليومي وحياته وعلاقاته مع أقرب الناس إليه وأبعدهم عنه. أعتقد بأن المدافع عن حقوق الإنسان في وقتنا الحاضر ينطبق عليه المثل العربي القديم “خيرُ الناس أنفعُهم للناس”.

السؤال 2 : ما هي تجربتك الأولى كناشط ؟

الجواب : التجربة الأولى كانت من خلال “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية في الأردن” التي شكّلتها منتصف عام 1979، مجموعة من الأردنيين كنت واحداً منهم ؛ واستمرت نحو عشر سنوات، أي إلى نهاية عام 1989 عندما فتحت الإنتفاضة الشعبية الاردنية في نيسان /إبريل من ذلك العام آفاقاً جديدة أمام الأردنيين للسير على طريق الديمقراطية. كانت البلاد تعيش قبل ذلك في ظل الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ التي فرضت خلال حرب 1967 واستمرت ربع قرن. كان أعضاء الأحزاب “الممنوعة” ونشطاء النقابات العمالية والمنظمات الأهلية يتعرضون للإعتقال التعسفي والإضطهاد وسوء المعاملة بل وللتعذيب، فضلاً عن الطرد من وظائفهم بسبب نشاطاتهم .. كل ذلك دون أن يعرف الرأي العام المحلي أو الخارجي شيئاً عن ذلك. علينا أن نتذكّر بأن وسائل الإتصال التكنولوجية الحديثة (الفضائيات، الإنترنت، الهواتف الخلوية.. ) لم تكن موجودة في تلك الفترة (الثمانينات). وعليه فإن اللجان، بإمكانياتها المحدودة كانت أشبه ما تكون بمنظمة “عفو دولية” مصغّرة. كانت تنشر البيانات والتقارير الموثّقة بمعلومات دقيقة عن المعتقلين السياسيين وترسلها إلى مختلف المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وإلى وسائل الإعلام. كان ذلك يمثّل خدمة عظيمة للمعتقلين في ذلك الحين، ولعبت دوراً إيجابياً لصالحهم، كما علمنا بذلك لاحقاً. القمعُ يتغذّى من الصمت.. وكان دورنا أن نكسر طوق الصمت والعزلة من حول مواطنين يحرمون، بدون وجه حق، من حريتهم بسبب معتقداتهم وآرائهم ونشاطاتهم السياسية السلمية. والدليل على ذلك هو أن  الأحزاب “الممنوعة” (وكان منعها إجراءاً غير دستوري) أصبحت مشروعة وعلنية بعد عام 1992 دون أن يتغّير فيها شيء!

السؤال 3 : هل يوجد أية أحداث أو أشخاص أثّرت عليك، سواء إيجابياً أو سلبياً ؟

الجواب : نعم، لا ازال أتذكّر حتى اليوم واقعة أثّرت فيّ إلى حد كبير. كنت في السابعة عشرة من عمري عندما وقعت الحرب العربية ـ الإسرائيلية في حزيران / يونيو 1967. مقابل منزل والدي كان هناك مدرسة حكومية، لم يكن التلاميذ يرتادونها بسبب العطلة الصيفية ؛ ولجأ إليها كثير من النازحين الذين أجبرتهم قوات الإحتلال الإسرائيلية على ترك منازلهم في الضفة الغربية. عند حلول الليل كنت أسمع صوت إمرأة من المدرسة المقابلة تصرخ وتلعن الإسرائيليين لأنهم قتلوا أبنائها وهدموا منزلها وتريد العودة إلى فلسطين. كانت تصرخ وتولول وتضرب على صدرها طوال الليل بصورة هستيرية وكأنها تهذي. كنت أفكّر في حالة هذه الإمرأة، والتي كانت في الواقع “عيّنة” لواقع الكثير من الفلسطينيين، وأسأل نفسي كيف يمكن مساعدتها. بعدها بأيام ذهبت متطوعاً إلى أحد مكاتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عمّان للمساعدة في أعمالها الطارئة آنذاك. لكن طيف تلك الإمرأة لم يكن يغادر مخيلتي. منذ ذلك الحين، كلما ذُكرت كلمة “حقوق الإنسان”، أتذكّر الفلسطينيين وحقوقهم المغتصبة، وأولها حقهم في تقرير المصير، وأتذكّر بالطبع الحقوق المهدورة في بلدي وفي أنحاء عديدة في العالم. إن من يقرأ “إتفاقيات أوسلو” بتمعن سوف يلاحظ بدون عناء بأنها تتنكر بشكل صارخ لحقوق الإنسان الفلسطيني. يُعطى “الحكم الذاتي” إلى شعب قاصر لا يستطيع تدبّر أموره، بينما الشعب الفلسطيني هو من بين أكثر الشعوب العربية تعليماً ووعياً، وهو قادر على أن يبني دولته الوطنية المستقلة فعلاً وفقاً لقرارات الأمم المتحدة وقد قدّم تضحيات هائلة لكي ينتزع حريته واستقلاله على مدار نصف قرن حتى الآن. لكن الحكومات الغربية للأسف، والحكومات العربية بصورة مخجلة لا تنتهج سياسات فعّالة من أجل وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني ولسياسة الأبرتهايد التي تنتهجها إسرائيل تجاهه. إنه لعار على المجتمع الدولي أن يستمر إحتلال الأرض الفلسطينية وتغيير معالمها ـ خاصة في القدس ـ  في مطلع القرن الواحد والعشرين في الوقت الذي تخلّصت فيه شعوب الأرض من الإحتلالات الاجنبية والإستعمار المباشر.

السؤال 4 : كيف توازن بين حياتك الشخصية ونشاطك في مجال حقوق الإنسان ؟

الجواب : مرّت عليّ فترة كانت نشاطات الدفاع عن حقوق الإنسان تأخذ مني الأوقات التي كان من المفترض أن أخصصها لعائلتي وللراحة. في منتصف عام 1997 عانيت من عارض صحيّ بسبب الإرهاق الشديد، استخلصت بعدها الدرس الثمين وهو ضرورة تحقيق التوازن بين الوقت المخصص لنشاط الدفاع عن حقوق الإنسان وذلك المخصص للعائلة وللترويح عن النفس، علماً بأنني كنت أقوم أيضاً بعمل وظيفي من أجل تأمين مستلزمات العيش لعائلتي. فالدفاع عن حقوق الإنسان كان ولا يزال عملاً تطوعياً أقوم به عن إيمان عميق بهذه الحقوق. من حيث الجوهر، سعيت دائماً لكي تكون هناك علاقة تفاعلية بين الحياة الخاصة والنشاط من أجل حقوق الإنسان. أتحدث عن هذا النشاط مع زوجتي ونتبادل الآراء، كما أنني أعتقد جازماً بأن ما أقوم به قد ترك آثاراً إيجابية غير مباشرة على إبنتي وإبني دون أن أضطر ل “تحريضهم” أو حتى التحدث إليهم عن حقوق الإنسان. ربما كان حصولي على جائزة حقوق الإنسان عام 1995 من رابطة الكتاب الأردنيين كافياً لكي يترك لديهم أثراً حميداً لما كنت أقوم به. على صعيد آخر، علاقاتي الإجتماعية متنوعة جداً، وأحظى بإحترام وتقدير من أوساط إجتماعية وسياسية وثقافية وحقوقية مختلفة تعرف ـ وربما تتابع ـ النشاطات التي أقوم بها بصفتي حالياً رئيساً للجمعية الأردنية لحقوق الإنسان. لكن أصدقائي الحميمين هم من غير المنخرطين في نشاطات الدفاع عن حقوق الإنسان، كما وأمارس هواياتي في البستنة والرياضة والقراءة والكتابة.

السؤال 5 : هل هنالك أي ناشط فردي أو حركة معينة دفعتك لكي تكون ناشطاً ؟

الجواب :  نعم. أثّرت فيّ تجربة الإعتقال التي مررت بها نهاية 1985 وبداية 1986 بسبب آرائي السياسية حيث تعمّق لديّ الشعور بأهمية الحرية. خرجت من السجن وأنا أكثر تصميماً على الدفاع عن حرية كل إنسان يُحرم من حريته بصورة ظالمة أو تعسفية. وزاد من تصميمي هذا منع الأجهزة الأمنية من حصولي على وظيفة حكومية تقدمت لها وقُبلتُ فيها عن جدارة. كذلك لا أنسى التأثير غير المباشر الذي تركه في نفسي المرحوم الإستاذ حسيب بن عمّار، الرئيس السابق للمعهد العربي لحقوق الإنسان (تونس) حيث كانت سيرة حياته نموذجاً للرجل العربي المتمسك بحرية وطنه وبالحريات العامة وبحقوق الإنسان. لقد تعرّفت عليه عن كثب من خلال زيارات عديدة قمت بها لتونس، وأجريت معه مقابلة نشرتها عام 2005 في صفحة “حقوق الإنسان” التي كنت أحرّرها في إحدى الصحف الأردنية.

أعتقد بأن منظمة العفو الدولية كان لها تأثير كبير أيضاً في تطوير إنخراطي بحركة الدفاع عن حقوق الإنسان. بدأت التعرف على نشاطات هذه المنظمة في ثمانينات القرن الماضي، وكان أحد مسؤوليها يزور الأردن سنوياً، وكنا نلتقي ونتعرف من خلاله على مبادئ ونشاطات المنظمة. وعندما اعتقلت، كما ذكرت قبل قليل، شنّت منظمة العفو حملة دولية واسعة للدفاع عني وللمطالبة بإطلاق سراحي حيث اعتبرتني “سجين الرأي” لشهر كانون الأول / ديسمبر 1985. وكان لتلك الحملة دوراً مهماً في الإفراج عني، كما عرفت لاحقاً، إضافة لعوامل أخرى.

السؤال 6 : إذا كان بإمكانك تغيير شيئاً واحداً في المجتمع أو العالم من حولك، ماذا سيكون ؟

الجواب : أتمنى أن يتحوّل الإتجاه السائد في منطقتنا وفي العالم من إتجاه العنف والحروب إلى إتجاه السلام ؛ وأن تتمتع شعوب العالم بالسلام الحقيقي القائم على العدل. السلام ضروري جداً لأنه الحاضن لجميع حقوق الإنسان الأخرى. لا يمكن لهذه الحقوق أن تنمو وأن يتمتع بها البشر إذا كان هناك بإستمرار نزاعات مسلّحة وحروب، وتجّار حروب لا هم لهم سوى إثارة الحروب والتحريض عليها وتصدير صفقات السلاح من أجل تكديس الأموال ونهب ثروات الشعوب. لا أقول بأن جميع الحروب “مفبركة”، إذ أن لبعضها أسبابها الموضوعية الناجمة أساساً عن الظلم، والتي يمكن حلّها عبر المفاوضات إذا توفرت إرادة السلام لدى الجانبين. لكن لنتذكر الحروب على العراق عام 2003 وعلى أفغانستان وفي إفريقيا وغيرها.. بل إن ما يسمى “الحرب على الإرهاب” تحتاج بدورها إلى تحديد ووضع ضوابط صارمة لها، وإلاّ فإن العديد من الحريات العامة وحقوق الإنسان تنتهك بحجة “مكافحة الإرهاب”، كما جرى منذ عام 2001 وحتى الآن في العديد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

السؤال 7 : من وجهة نظرك، ما هي أهم إنتهاكات حقوق الإنسان التي تحتاج إلى تصحيح الآن ؟

الجواب : إنتهاكات الحقوق الفردية لا تعد ولا تحصى ؛ يكفي الرجوع إلى تقارير المنظمات الدولية، كمنظمة العفو الدولية مثلاً لكي نتأكد من ذلك. هناك إنتهاكات من نوع آخر يجب التوقف عن إرتكابها، والتي يمكن تسميتها أيضاً “إختلالات”. نقصد بذلك عدم التوازن المريع بين إنتاج الغذاء وتلبية إحتياجات سكان الكرة الأرضية. فالبشرية تنتج اليوم من الغذاء، بفضل التقدم التكنولوجي، ما يكفي لتسعة مليارات من البشر حسبما يقدّر الخبراء بينما يوجد نحو مليار من البشر يعانون اليوم من الجوع من مجموع ستة مليارات هي عدد سكان العالم.  ومثلهم مليار آخر يعانون من الفقر وسوء الأحوال المعيشية. هذا غير معقول، بل يعتبر جريمة. الشيء نفسه ينطبق على صناعة الأدوية ؛ فالملايين من البشر يموتون كل سنة من أمراض تتوفر لها أدوية وعلاجات، لكن الإحتكارات الصناعية العالمية لا تريد تخفيض أسعارها بحيث تصبح بمتناول يد عشرات ملايين المرضى. الأمم المتحدة تعلن عن برامج لمحاربة الفقر في بلدان العالم المختلفة، ومع ذلك تزداد أعداد الناس الفقراء سنة بعد أخرى ! هناك خلل كبير وخطير في جوهر سياسات الدول الغنّية التي “تهتم” لفظياً بحقوق الإنسان، لكن في الواقع العملي لا يهمّها إلاّ تكديس الثروات عبر إستغلال الشعوب في البلدان النامية. في هذا السياق نُذكّر بأن إنفاق ولو 10 % فقط من واردات مبيعات السلاح والمخدرات وتجارة الجنس في العالم، والتي تديرها أساساً الإحتكارات الرأسمالية العالمية ومافياتها، يكفي لتوفير مدارس ومراكز صحية ـ بأعداد كافية ـ في معظم بلدان “العالم الثالث” وإنقاذ العديد منها من ديونها الخارجية. علينا التوقف عن تجزئة حقوق الإنسان والتعامل معها ب”القطعة”، أو النظر إلى الأمور وكأنه لا يوجد أي رابط بين جوع الفقراء وتخمة وبطر الأثرياء. علينا أن ننظر إلى الصورة العامة بشموليتها لكي نتعرف على مكامن الخلل فيها ـ إذا ما أردنا فعلاً التقدم في ممارسة حقوق الإنسان وليس مجرد التغزّل بها فقط، أو إستعمالها كشعارات خالية من المضمون.

السؤال 8 : هل يوجد أي تجربة أو إحصاءات تعطيك الأمل بأن العالم سيصبح مكاناً أفضل ؟

الجواب : طبعاً هناك أمثلة كثيرة جماعية وفردية. إنني أفكر بالإنجاز الذي حققه الشعب التونسي الذي صوّت قبل أشهر لصالح دستور متقدم هو الأول من نوعه في العالم العربي، إذ وضع الأسس لقيام ديمقراطية حقيقية وأقرّ المساواة التامة بين الرجل والمرأة. التجربة التونسية التي ترتكز إلى نضال عشرات السنين من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية تثبت بالدليل القاطع بأنه، حيثما يوضع حد للتسلّط الداخلي وللتدخّل الخارجي، فإن الشعوب العربية قادرة بل وتوّاقة لإقامة أنظمة ديمقراطية تُعبّر عن إرادتها الحرّة وتساعدها على تحقيق التقدم والتنمية والإستغلال الأمثل لثرواتها وطاقات مواطنيها.

إنني أفكّر أيضاً بملايين المناضلين من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية والسلام في العالم أجمع، بعضهم مات تحت التعذيب وبعضهم يعاني من الإضطهاد والقمع، ومع ذلك فهم مستمرون في نضالهم، ويُلهم ذلك بإستمرار أجيالاً جديدة لكي تواصل العمل من أجل عالم أفضل. وحتى لا نذهب بعيداً، لنأخذ بلدي الأردن كمثال : قبل ما يزيد قليلاً عن ربع قرن كان مجرد الحديث العلني هنا عن حقوق الإنسان يُعرّض المواطن إلى المساءلة وربما العقاب والسجن. أن تدافع عن حقوق الإنسان كان يُفهم في نظر السلطات آنذاك بأنك قد تكون من المعارضة ! أما اليوم فنحن نعمل علناً من أجل حقوق الإنسان بالطرق كافة وأصبح لدينا مركز وطني لحقوق الإنسان (كنت عضواً في أول مجلس لأمنائه عام 2003)، بل وأختيرت شخصية أردنية قبل ثمانية شهور لكي تشغل منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. هذا لا يعني بأن وضع حقوق الإنسان في الأردن أصبح “مثاليا”، وأنه لم يعد هناك إنتهاكات. ما أريد ان أقوله هو أن البلاد تسير ـ ولو ببطء ـ بإتجاه تطوّر إيجابي. إن ما تحقق هو ثمرة جهود روّاد كبار سبقونا ونكنّ لهم الحب والإمتنان، وسوف يأتي بعدنا آخرون ليواصلوا الجهود. وعلينا أن نتذكر بأن إنفاذ حقوق الإنسان على الوجه الأكمل هي مسألة تاريخية تعتمد على عوامل سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية عديدة، وليس فقط على رغبة أو حماس أو تفاني نشطاء حقوق الإنسان ومنظماتهم. وفي النهاية، أؤمن بما كان يردده الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش في أحد قصائده : “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

السؤال 9 : إنني أتساءل ما هو برأيك أي حق من حقوق الإنسان هو الأهم ؟

الجواب : الحق في الحياة بالتأكيد ؛ إذا لم يحترم هذا الحق فكيف للإنسان أن يتمتع بالحقوق الأخرى ؟ هذا يقودنا إلى الحديث عن إلغاء عقوبة الإعدام بإعتباره الوجه الآخر لإحترام الحق في الحياة. عندما نعلم بأن عدد الدول التي ألغت عقوبة الإعدام أو توقفت عن تطبيقها حتى نهاية عام 2013 أصبح 137 دولة، وأنه يرتفع من عام لآخر …. أليس هذا مدعاة للأمل أيضاً ؟ صحيح بأن معتقدات دينية وإجتماعية لا تزال تحول دون إقتناع أعداد كبيرة من الناس بضرورة إلغاء عقوبة الإعدام. لكن ذلك لا يجعلنا نشعر باليأس، بل يدفعنا إلى التفكير بطرق مبتكرة من أجل توفير حماية أكبر للحق في الحياة.

في الواقع، هناك أخطار لا تقل فظاعة عن عقوبة الإعدام تهدد الحق في الحياة في هذا العالم، وهي الإعدامات خارج القضاء والحروب والنزاعات المسلحة في بعض البلدان والتي تشجعها بعض الدول الكبرى خدمة لمصالحها، ويموت من جرّائها عشرات بل مئات الآلاف من البشر الأبرياء. إن ملاحقة المسؤولين السياسيين والعسكريين المتهمين بإرتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، من خلال المحكمة الجنائية الدولية، هو أمر واجب وضروري إذا ما أردنا الحد من الحروب وردع مرتكبيها وحماية الحق في الحياة وإقامة العدالة. وأخيراً، فإن حماية الحق في الحياة يتعزّز من خلال تخصيص المزيد من الأموال للقضاء على الأمراض التي تفتك بالشعوب ومحاربة الجوع وسوء التغذية الذي يعاني منه مئات ملايين البشر، خاصة في إفريقيا وآسيا.

السؤال 10 : هل لك أن تذكر للشبكة الدولية للحقوق والتنمية عن مشاركتك في أية مؤتمرات دولية وإجراءات إقليمية بشأن حقوق الإنسان ؟

الجواب : شاركت في عشرات المؤتمرات الدولية والإقليمية، فضلاً عن ندوات كثيرة هامة تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في البلدان العربية. من بين المؤتمرات الدولية اذكر مشاركتي في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا (النمسا) في حزيران / يونيو 1993. شهدت بأم عيني في ذلك المؤتمر كيف تمارس المعايير المزدوجة من قبل بعض الدول التي تعلن إلتزامها بحقوق الإنسان، وذلك عندما طُرح موضوع المجازر التي كانت ترتكب في ذلك الوقت في إحدى مدن يوغسلافيا السابقة، وكيف تم التصويت على مشروع القرار الخاص بذلك. لكن ذلك لم يكن كل شيء ؛ لقد غطّيت ذلك المؤتمر (الذي كان في الواقع ذي شقين : رسمي للحكومات وآخر غير رسمي أي للمنظمات غير الحكومية) في الصحافة الأردنية يومياً ـ على مدار ثلاثة أسابيع ـ وكانت ، بحسب شهادات عديدة، التغطية الأشمل. وأنفردت الصحيفة التي كنت أحرّر فيها صفحة “حقوق الإنسان” من بين جميع الصحف العربية بنشر النص الكامل لقرارات وخطة عمل المؤتمر فور صدورهما بترجمتها العربية.

كذلك حضرت الإحتفالات التي جرت في قصر “شايو” في باريس عام 1998 بمناسبة مرور خمسين عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث وجهت إليّ الدعوة بإعتباري واحداً من بين أنشط 200 شخص في العالم في مجال حقوق الإنسان. وقد لفت إنتباهي خطاب فيدريكو مايور، الأمين العام لليونسكو آنذاك الذي كان متشائماً إلى حدٍ ما.

أخيراً أعتزّ بمساهمتي في مشروع نفّذه المعهد العربي لحقوق الإنسان عامي 1996 و1997 وتضمّن مسحاً للنصوص المتعلقة بحقوق الإنسان في الكتب المدرسية في 12 دولة عربية، كان من بينها الأردن، وهي الدول المصادقة على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. فقد كانت الدراسة والمؤتمر الذي عقد في بيروت لمناقشة خلاصاتها ـ بحضور مندوبين عن وزارات التربية والتعليم في الدول العربية  الإثني عشرة ـ كانت اللبنة الأساسية لتطوير مناهج التعليم ودمج مبادئ ومفاهيم حقوق الإنسان بها.

السؤال 11 : فيما يتعلق بالمادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : “لكل فرد الحق في ان يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الإلتجاء إليها هرباً من الإضطهاد”  ـ كيف تجد مساعدة بلدك الأردن في منح هذا الحق للكثير من الناس ؟

الجواب :  أعتقد بأن أردنيين كثيرين يشعرون مثلي بالفخر والإعتزاز لأن بلدهم كان طوال العقود الماضية وفي الوقت الحاضر مأوئ لمواطنين كثيرين لجأوا إليه هرباً من الإضطهاد والعنف والقمع والحروب والملاحقة. لم يكن ذلك فقط تطبيقاً لمادة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل واجباً إنسانياً مارسه ويمارسه الأردنيون، شعباً وحكومة، تجاه إخوانهم الفلسطينيين، ومن ثم العراقيين والآن السوريين. لكن الأردن ـ كما هو معروف ـ ليس بلداً نفطياً ولا يملك الكثير من الإمكانيات أو الثروات الطبيعية ؛ لذلك كان من الطبيعي أن تقوم بعض الجهات الدولية بتقديم مساعدات للأردن خلال السنوات القليلة الماضية، حتى يتمكن من القيام بمسؤولياته تجاه اللاجئين الوافدين إلى أراضيه، خاصة من سورية. ولا يزال متوقعاً من المجتمع الدولي تقديم المزيد من تلك المساعدات، خصوصاً وأن عوامل النزاع والتوتر لا تزال قائمة في البلدان المحيطة بالأردن، وللأسف، لا تلوح في الأفق بوادر توقّف النزاعات في وقت قريب.

السؤال 12 : هل لك أن تذكر للشبكة الدولية للحقوق والتنمية ما هو الدور الذي يلعبه المجتمع المدني في قضايا حقوق الإنسان من وجهة نظرك ؟

الجواب : الشرط الأساس لكي يلعب المجتمع المدني دوره المطلوب في قضايا حقوق الإنسان هو أن تكون منظمات هذا المجتمع على علاقة وثيقة وحميمة بقطاعات واسعة من المواطنين، وأن تتعرف على مشكلاتها إلى أقصى حدٍ ممكن من التفاصيل. بهذه الطريقة يصبح بإمكانها أن تبلّغ عن حالات الإنتهاكات التي قد تقع لحقوق المواطنين، وبالتالي مساعدة منظمات حقوق الإنسان بمتابعتها. كذلك يصبح بإمكانها تشخيص واقع بعض القطاعات او المجالات التي تحتاج إلى سن قوانين جديدة تحمي حقوقها، أو تعديل قوانين قائمة لكنها لا تؤمّن الحماية الكافية لتلك الحقوق. على سبيل المثال، لا تزال قطاعات عديدة من العاملين والعاملات في الأردن بدون منظمات نقابية. لقد جاء تعديل الدستور الأردني لعام 2011 لكي يعطي الحق بالمطلق للمواطنين بإنشاء نقابات. هذا يترتب عليه السعي من جانب منظمات المجتمع المدني لمساعدة تلك الفئات والقطاعات على تأسيس نقابات خاصة بها لحماية حقوقها المهنية والدفاع عنها.

السؤال 13 : ما رأيك بالتقرير السنوي لحقوق الإنسان في الأردن ؟

الجواب : لا أعرف بالضبط أي تقرير تقصد إذ أن جمعيتنا، وهي منظمة غير حكومية، تنشر مثل هذه التقارير؛ وهناك تقارير يصدرها المركز الوطني لحقوق الإنسان وهو مؤسسة للدولة الأردنية، ومنظمات دولية غير حكومية مثل “مراقبة حقوق الإنسان” و “العفو الدولية” … على أية حالة، المشكلة ليست في التقارير؛ فهي في معظم الأحيان معدّة جيداً من الزاوية المهنية وتوثّق إنتهاكات حقوق الإنسان وتتضمن توصيات مهمة ومفيدة جداً. المشكلة هي أن الحكومات لدينا لا تولي إهتماماً فعلياً بمضمون هذه التقارير، وغالباً ما تتهمها بأنها “تخدم أجندات خارجية” ولا تأخذ بعين الإعتبار التحديات التي تواجهها تلك الحكومات إلخ… ونظراً لأن هذا التجاهل غير المبرر أصبح يثير إنتقادات حادة ويتهم الحكومات بإتهامات شتى فقد تداركت الحكومة الاخيرة الأمر وأعلنت عن تشكيل لجنة لدراسة توصيات تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان عن أوضاع الحقوق في المملكة خلال سنة 2012، كما أعلنت عن تشكيل لجنة منتصف العام الماضي هدفها وضع “خطة وطنية شاملة لتطوير اوضاع حقوق الإنسان”. بالرغم من تحفظنا على ذلك، إذ استبعدت منظمات حقوق الإنسان الأهلية من تشكيل اللجنة، إلاّ أن لسان حالنا يقول “أن تصل متاخراً خير من أن لا تصل أبداً”. إن كل ما نريده من حكوماتنا هو التجاوب بصورة افضل مما هو حالياً مع رسائل منظمات حقوق الإنسان والعمل على تطبيق التوصيات الواردة في التقارير السنوية والتي تكاد تتكرر كل عام إلى درجة الملل.

عمّان في 25 كانون الثاني 2015

المشاركة