هل لغة الضاد لا تليق بحقوق الإنسان؟! لماذا يا دولة رئيس الوزراء ؟

409

هل لغة الضاد لا تليق بحقوق الإنسان؟! لماذا يا دولة رئيس الوزراء ؟

  • د. سليمان صويص      

أمس كان إفتتاح المؤتمر الدولي الحادي عشر للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في عمان، وهو حدث يعتبر عقده في الأردن في هذه المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية ذو ميزة خاصة. وعليه كان يمكن أن يشكّل مفخرة للأردن وللأردنيين. لكن، بدلاً من ذلك تحوّلت جلسة الإفتتاح، خاصة بعد إلقاء كلمة دولة د. عبدالله النسور مثاراً لتساؤلات عديدة. فهذا الحدث الذي يستضيفه المركز الوطني الأردني لحقوق الإنسان جرى التحضير له منذ وقت طويل حيث تحضر المؤتمر وفود من مئة وعشرة دول، وبالتالي فإن جميع تفاصيله تكون مدروسة بعناية من جميع الجوانب. ومع ذلك، إضطر د. موسى بريزات، المفوض العام للمركز من إختصار كلمته الهامة لأن “امراً طارئاً” ـ على حد قوله كان يستدعي مغادرة دولة الرئيس لقاعة الإحتفال. هذه العبارة أثارت دهشة وقلقاً ظهر على وجوه بعض الحضور. بعدها بدأ دولة الرئيس بإلقاء كلمته، فأشار ـ على سبيل المزاح ـ بأنه تمكن من إختصار كلمة المفوض العام وإلغاء كلمة ممثلة لمنظمة أجنبية، مضيفاً بخفة دم بأنه “كما ترون، فإن الحكومة فعّالة” ! واستمر بإلقاء كلمته والتي كانت ـ ويا للمفاجأة ـ باللغة الانجليزية ! لماذا ؟ وما هو السر في ذلك ؟ إين هو الإعتزاز بلغتنا القومية، لغتنا العربية الحبيبة ؟ هل غاب عن دولة رئيس الوزراء ما ورد في الدستور الأردني  ـ الذي أقسم على احترامه ـ بأن اللغة الرسمية للدولة الأردنية هي اللغة العربية، وبأنه كان في احتفال رسمي هام بصفته الرسمية كرئيس لحكومة المملكة الأردنية الهاشمية ؟ ما هو المبرر لذلك علماً بأن الترجمة الفورية كانت موجودة ومؤمنة من قبل منظمي المؤتمر باللغات الانجليزية والفرنسية والاسبانية ؟ وإذا كان السبب هو الحرص على أن تفهم الوفود الأحنبية خطاب دولة الرئيس بالسرعة الفائقة، ألم يكن بالإمكان توزيع الترجمة الانجليزية على الوفود فور إلقائه خطابه بلغتنا القومية، كما يحصل في العديد من المؤتمرات والمناسبات ؟ لقد أستفزت هذه الواقعة الأردنيين والعرب الحاضرين بحيث لم يبق علينا إلاّ أن نرسل برقية احتجاج لمنظمة اليونسكو التي اتخذت قراراً قبل عدة أيام بإعتماد يوم الثامن عشر من كانون الأول من كل سنة يوماً عالمياً مخصصاً لتكريم اللغة العربية !

المهم أن الأسئلة المذكورة أعلاه بقيت معلّقة مما سمح بالإجتهاد ـ بعد سماع الكلمة حتى النهاية ـ بالقول ـ على سبيل المداعبة ـ أن دولة الرئيس ألقى خطابه بالانجليزية حتى لا يفهمه الأردنيون، لأنه يدور كله عن حقوق الإنسان، وبخاصة عن حقوق النساء والمساواة بين الجنسين، وهو موضوع المؤتمر! لقد أكّد دولة الرئيس في خطابه “إلتزام الأردن التام” بالأتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وهذا تصريح أدعو الحركة النسائية والحقوقية الأردنية إلى توثيقه بإهتمام شديد. فحكومة دولة د. النسور، ومن شدة إيمانها بحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين لم تضم في صفوفها ولا حتى وزيرة واحدة ـ كما جرت العادة في الحكومات السابقة. سيكون دولة الرئيس واهماً إذا اعتقد بأن احداً في القاعة ـ بما فيهم رؤساء البعثات الدبلوماسية التي كانت حاضرة ـ لا يعرف هذه الحقيقة . ولكي تبلغ المأساة ـ الملهاة ذروتها اقتحمت قاعة المؤتمر ـ عند تأهب دولة الرئيس للخروج منها ـ مجموعة نساء وفتيات وشباب من حملة “أمي أردنية” تطالب بحصول الأبناء والبنات على جنسية امهاتهم المتزوجات من غير الأردنيين، وهو ما لا يسمح به بعد القانون الأردني، وتطالب به المنظمات النسائية والحقوقية منذ سنوات.

الأنكى من ذلك أيضاً : لقد اعتقد العديد من الحضور بأن دولة الرئيس سوف يكون مقتضباً في حديثه بحيث ينهيه خلال خمس دقائق مثلاً، نظراً لحدوث “أمر طارئ” يضطر معه للمغادرة المبكرة. لكن خطاب دولته استمر نحو عشرين دقيقة ولم يكن يبدو عليه الإستعجال، وهو ما أثار الحيرة بين الحضور.

وعودة إلى لغة إلقاء الخطاب : أتذكّر بأن أحد السفراء الأوروبيين الذين عملوا في الأردن قبل سنوات كان يتكلم اللغة العربية بطلاقة، ومع ذلك كان يصرّ ـ حتى عند إجراء مقابلة صحفية معه ـ على أن يتكلّم بلغته الوطنية.

ظهر أمس الثلاثاء الخامس من تشرين الثاني كان يوماً جديراً بأن يثير إعتزاز وفخر كل أردني وأردنية، لكنه للأسف أثار الغضب والقهر والمرارة في نفوس كثيرين.

لن يكون تقديم اعتذار من جانب دولة د. عبدالله النسور إلى الشعب الأردني وإلى لغتنا العربية أمراً كافياً. إذا أراد ان يكّفر عن هذه الخطيئة فإن من المفترض ان يصدر قراراً ينص على معاقبة كل مسؤول لا يتحدث بغير لغة الضاد في المناسبات الرسمية، لأن ما حدث ليس أمراً ثانوياً اوعارضاً ؛ إنه تقليل من شأن لغتنا الحبيبة لأن الخطاب ألقي على الأرض العربية الأردنية ومن على منبر أردني، في عمّان، وليس في “مانهاتن” أو قصر مانشستر حتى نفتّش عن عذر ولو كان واهياً.

 لغتنا العربية جميلة وعظيمة وغنية بمفرداتها وتليق بحقوق الإنسان ويشرفنا أن نخاطب العالم من خلالها. وفوق ذلك يحق لنا أن نفتخر بها، لأنها عنوان هويتنا ووجودنا الوطني والقومي، واحترامها هو جزء من احترامنا لذاتنا.

عمان 11/5/2012

المشاركة