واقع تعليم حقوق الانسان في الأردن

343

واقع تعليم حقوق الانسان في الأردن

– 7- 2006 – 20: 1

د. سليمان صويص

** مقدمة

أكد العديد من الاتفاقيات الدولية الاساسية، وكذلك الاقليمية، الخاصة بحقوق الانسان على أن التعليم هو حق من حقوق الإنسان. وحرصت تلك الاتفاقيات في الوقت نفسه على التأكيد على أن حماية حقوق الانسان يجب أن تكون غاية البرامج التعليمية، لكنها لم تحدد على نحو تفصيلي سبل بلوغ هذه الغاية. ولعله مما يفسر ذلك أن واضعي الاتفاقيات المذكورة يكتفون غالبا” بالنص على المبادئ العامة وحدها، تاركين تحديد السبل والاساليب للتشريع الوطني في الدول التي تعهدت بإحترام تلك المبادئ والعمل على إتخاذ التدابير التشريعية اللازمة من اجل ذلك.

على سبيل المثال، تنص الفقرة الثانية من المادة السادسة والعشرين من الاعلان العالمي لحقوق الانسان (1948) على أنه “يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الانسان وتعزيز إحترام حقوق الانسان والحريات الاساسية ؛ كما يجب ان يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الامم وجميع الفئات الاثنية او الدينية وأن يؤيد الانشطة التي تضطلع بها الامم المتحدة لحفظ السلام”.

وجاء في الفقرة الاولى من المادة الثالثة عشرة من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1976) أنه ” تقر الدول الاطراف في هذا العهد بحق كل فرد في التربية والتعليم، وهي متفقة على وجوب توجيه التربية والتعليم الى الإنماء الكامل للشخصية الانسانية والحس بكرامتها والى توطيد إحترام حقوق الانسان والحريات الاساسية “.

وتضمنت إتفاقيات دولية وإقليمية أخرى على نصوص مشابهة. لكن الملاحظ هو أن النصوص المشار إليها لا تخرج عن كونها تحديدا” لمضمون الحق في التعليم وجعله يستهدف إنماء الاحترام الواجب لحقوق الانسان، وهو أمر مختلف عن تعليم حقوق الانسان نفسه.

منذ عام 1978 تطور الاهتمام بتعليم حقوق الانسان وبذلت جهود كبيرة في هذا المجال. وكان أبرز مظاهر ذلك الاهتمام عقد العديد من المؤتمرات الدولية والاقليمية ذات الصلة، وخاصة مؤتمر اليونسكو لتعليم حقوق الانسان (فيينا 1978 و مالطة 1988) والمؤتمر الدولي للتربية على حقوق الانسان والديمقراطية (مونتريال 1993)، المؤتمر العالمي لحقوق الانسان (فيينا 1993) والمؤتمر الاقليمي حول التربية على حقوق الانسان في إفريقيا (داكار 1998)، والمؤتمر الاقليمي لآسيا والمحيط الهادئ حول تعليم حقوق الانسان (الهند 1999)، والمؤتمر الاقليمي حول تعليم حقوق الانسان في العالم العربي (الرباط 1999). وبالطبع كان “عقد الامم المتحدة للتربية على حقوق الانسان 1995 ـ 2004” هو ذروة هذا الاهتمام العالمي والذي جرت خلاله نشاطات وجهود عالمية واقليمية ووطنية كثيرة لنشر ثقافة حقوق الانسان على نطاق واسع.

اصبح ينظر الى تعليم حقوق الانسان بإعتباره يمثل “درهم الوقاية الذي يعتبر خير من قنطار علاج”. بدلا” من بذل الجهود المتواصلة في ملاحقة انتهاكات حقوق الانسان والمطالبة بوقفها من جانب منظمات حقوق الانسان، ربما يكون من الاجدى بذل جهود مضاعفة من اجل تدريس حقوق الانسان للاجيال الشابة منذ الصغر لكي تتشرب قيم ومبادئ هذه الحقوق، ومن ثم تتعود على احترامها في المستقبل، وهو الأمر الذي سيساعد على تقليل وقوع الانتهاكات في المدى البعيد.

علاوة على ذلك يأخذ تعليم حقوق الإنسان في إعتباره أربعة أبعاد رئيسة هي :

1) إكتساب وتنمية وممارسة القيم والميول الضرورية لقيام مجتمع عادل وديمقراطي وسلمي يحترم وينشر حقوق الانسان للجميع. ومن الأمثلة على ذلك إحترام ورعاية الذات والآخرين والشعور بالمسؤولية الاجتماعية وبالإنتماء.

2) تنمية وممارسة الأفكار والمفاهيم التي تساعد على تفسير جذور وتنوع الطبيعة الدينامية للمجتمع مثل مركزية العلاقات وأهمية التسويات والتفاوض ومفاهيم الديمقراطية والحكم والمواطنة ومسألة الهويات الثقافية والصراعات والمسؤوليات المتساوية للجميع بغض النظر عن النوع، والاعتراف بالحق في الاختلاف ومحاربة التمييز على أساس الدين أو العرق أو اللغة أو الجنس.

3) تنمية وممارسة المهارات والقدرات التي تساعد في فهم المجتمع ومناقشة القضايا ومعالجة المشكلات وإتخاذ القرارات والتعاون مع الآخرين. ومن هذه المهارات : التواصل والبحث وتقييم المعلومات والأفكار وتطبيق العقلانية في معالجة المشكلات، وتنمية العلاقات الاجتماعية وتحمل المسؤولية وإقامة علاقات عمل ديمقراطية وإعتماد الحوار والمشاركة في صنع القرار والانخراط في أشكال من العمل السياسي والاجتماعي والثقافي.

4) السعي للحصول على الخبرات الضرورية التي قد تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي سلمي، ومن أبرزها العمل بتعاون مع الآخرين وتقديم وتلقي التغذية الراجعة ومشاركة الآخرين المسؤولية والشعور بالتقدير والاحساس بالانجاز.

بات تعليم حقوق الإنسان “ورشة عمل دائمة” في العقد الاخير من القرن الماضي وبداية هذا القرن بحيث انشأت معاهد ومراكز للتدريب وللبحث في بلدان عديدة مخصصة بالكامل لتطوير أساليبه ولتكوين المدربين اللازمين للقيام به ؛ كما اولته وزارات التربية والتعليم اهتماما” متزايدا” نظرا” للوعي العميق بدور التعليم ـ خاصة التعليم المدرسي ـ في تشكيل ثقافة الإنسان اللاحقة، ونظرا” لأن تعليم حقوق الإنسان هو ـ في إحدى أوجهه ـ بمثابة تعزيز لحقوق الإنسان نفسها في المجتمع. إضافة لذلك، تساهم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان وجمعيات أخرى متخصصة في “ورشة العمل الدائمة ” هذه.

كان من الطبيعي أن تنعكس هذه الاهتمامات والجهود على العالم العربي حيث عقدت ندوات لبحث تعليم حقوق الإنسان منذ منتصف عقد الثمانينات من القرن الماضي، خاصة في مصر والمغرب ؛ وكانت المبادرة في بعضها لمنظمات غير حكومية. ومع تأسيس المعهد العربي لحقوق الإنسان في عام 1989، بدأت مرحلة نوعية جديدة من هذا الاهتمام، حيث من المعروف بأن هدف المعهد ومبرر وجوده هو “نشر ثقافة حقوق الإنسان”. وبعد سنوات قليلة من تأسيسه، عقد المعهد ندوة عربية هامة حول “التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية” (شباط / فبراير 1993) (1). وكان من أبرز المشاريع التي نفذها المعهد ـ منتصف التسعينات ـ “تعزيز التربية على حقوق الإنسان في الوطن العربي”، وتضمن إجراء مسح وتحليل شامل لمحتويات الكتب المدرسية للمرحلة الاساسية في إثني عشر بلد عربي (من بينها الأردن) من حيث مضمونها في مجال حقوق الإنسان وتقييمها ووضع التوصيات المناسبة بشأنها. وأعقبتها دراسات أخرى في عامي 2002 ـ 2003 حول “مكانة حقوق الإنسان في المناهج والكتب المدرسية للمرحلة الثانوية” في البلدان العربية الاثني عشر. وقبلها كان المعهد قد أصدر كتابا” قيما” هو “دليل المدرس في التربية على حقوق الإنسان”.

في تشرين الأول (اكتوبر) من عام 2000، نظم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بالتعاون مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الامم المتحدة، مؤتمرا” في القاهرة حول “قضايا تعليم ونشر ثقافة حقوق الإنسان في العالم العربي : جدول أعمال للقرن الحادي والعشرين”. وكان من بين البنود التي ناقشها المؤتمر “تقييم مساهمة الحكومات العربية في تعليم حقوق الإنسان”. وخرج المؤتمر بإعلان اطلق عليه اسم “إعلان القاهرة لتعليم ونشر ثقافة حقوق الإنسان”. ويعتبر كل من برنامج المعهد العربي لحقوق الإنسان حول “تعزيز التربية على حقوق الإنسان” ومؤتمر القاهرة المذكور مساهمة عربية قيمة في “عقد الأمم المتحدة للتربية على حقوق الإنسان”، بالإضافة الى الجهود العربية الأخرى التي بذلت على هذا الصعيد في بلدان عربية أخرى.

أما في الأردن، فقد تضافرت عوامل عدة في دفع عملية تعليم حقوق الإنسان خطوات هامة الى الامام. بدأت هذه الخطوات في وقت مبكر ـ مقارنة بدول عربية أخرى ـ وكان الهدف منها في البداية “تطوير وعصرنة التعليم”، حيث لم تكن قد بدأت بعد مرحلة التحول الديمقراطي. مطلع الثمانينات الماضية، لاحظ المسؤولون والأوساط التربوية والاجتماعية والسياسية تردي أوضاع التربية والتعليم في البلاد ؛ لذلك جاء إنعقاد المؤتمر الوطني الأردني الأول للتطوير التربوي (1987) ليناقش مشكلات هذا القطاع بصورة شاملة وليضع الحلول لها والتصورات من اجل الارتقاء بالتعليم من جميع جوانبه. وردت في قرارات ذلك المؤتمر “التاريخي” ـ وللمرة الاولى ـ تعابير ومصطلحات مثل “المشاركة والعدالة والديمقراطية”، و “الاعتراف بالرأي الآخر” و “حقوق المواطنة” و “إحترام حرية الفرد” إلخ.. وهي تعابير وجدت طريقها في العام التالي الى القانون المؤقت للتربية والتعليم رقم 27 لسنة 1988، والذي كرس في قانون التربية والتعليم رقم 3 لسنة 1994 الساري المفعول مع تعديلاته.

في أعقاب بدء مرحلة التحول الديمقراطي ـ أواخر العام 1989 ـ وإعلان الاردن إلتزامه بمبادئ حقوق الإنسان بداية التسعينات ـ تعزز الاتجاه لإدخال مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان في المناهج والكتب المدرسية. أخذت العملية بعض الوقت، ربما لاسباب سياسية وإدارية، حتى تبلورت من خلال تعديل المناهج وإعتماد برامج مساعدة لنشر مبادئ حقوق الإنسان. في هذه الاثناء، بدأت بعض المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، عام 1997، في تنظيم دورات وورشات عمل لمعلمين ومعلمات من اجل تدريبهم على تعليم حقوق الإنسان (2).

في آيار 1999 شكلت الحكومة “اللجنة الوطنية الاردنية لتعليم حقوق الانسان” من الطرفين الحكومي والاهلي. وكانت تلك هي المرة الاولى التي يظهر فيها الاهتمام الحكومي بمسألة تعليم حقوق الانسان بمثل هذا الوضوح. وبالرغم من عمرها القصير، أعدت اللجنة دراسة عن أوضاع تعليم حقوق الإنسان في المؤسسات التعليمية الاردنية (المدارس والمعاهد والجامعات). في بداية عام 2000 تشكلت “اللجنة الملكية لحقوق الانسان” والتي شكل تعليم حقوق الانسان محورا” من محاور عملها واعدت بشـأنه تقريرا”. لدى تأسيس “المركز الوطني لحقوق الإنسان” في عام 2003 كانت ولا تزال إحدى وحداته الرئيسة مخصصة ل “التثقيف والتوعية” بحقوق الإنسان. وضمن هذا الإطار يندرج إهتمام المركز بمسألة تعليم حقوق الإنسان، ونظم حولها العديد من النشاطات.

في ضوء هذه التطورات والجهود التي تبعث على التفاؤل، أصبح من الضروري دراسة واقع تعليم حقوق الإنسان في الاردن بصورة شاملة وذلك لمعرفة هذا الواقع بدقة والتعرف على مشكلاته من جهة، ولإستكشاف آفاق تطوره من جهة اخرى.

تتضمن الدراسة، بالاضافة الى هذه المقدمة، الفصول التالية :

1) الإطار الفلسفي والسياسي والقانوني لتعليم حقوق الإنسان ؛

2) تطور تعليم حقوق الإنسان : الجهود والانجازات على الصعيدين الرسمي والاهلي ؛

3) تقييم تعليم حقوق الإنسان : آفاق، تساؤلات، إقتراحات ؛

4) ملاحق.

إن الأمل كبير في أن تساهم هذه الدراسة في تطوير العمل الذي بدء به المركز الوطني لحقوق الانسان ووزارة التربية والتعليم والمنظمات الاهلية من اجل نشر تعليم حقوق الانسان في الاردن. وفي وقت بدأت فيه وزارة التربية والتعليم في تطبيق “مشروع التطوير التربوي نحو إقتصاد المعرفة” تبرز الحاجة لإيلاء تعليم حقوق الإنسان المزيد من الاهتمام والجهد. إن نجاح التنمية، كما أثبتت تجارب العديد من البلدان، يعتمد بالدرجة الاولى على بناء الإنسان ثقافيا” واجتماعيا”. د. سليمان صويص عمان في 10/12/2005 شكر يود الباحث ان يعبر عن شكره للمساعدين الاثنين : الاستاذ عطالله الحجايا، من وزارة التربية والتعليم، والاستاذة غادة الشوا، من المركز الوطني لحقوق الإنسان على جهودهما في المساعدة على إعداد هذه الدراسة.

** الإطارالفلسفي والسياسي والقانوني لتعليم حقوق الإنسان

لا تتضمن أي من الوثائق المرجعية الرسمية للدولة الاردنية (الدستور والميثاق الوطني وقانون التربية والتعليم) نصا” واضحا” وصريحا” يتعلق بتعليم حقوق الإنسان أو يدعو إليه. لكن ذلك لا يقلل من أهمية النصوص الواردة فيها حول حقوق الإنسان، خاصة الحق في التعليم. إضافة لذلك، تأتي السياسة العملية لوزارة التربية والتعليم، على الاقل خلال العقد الماضي، وتكريس المركز الوطني لحقوق الإنسان ـ وهو مؤسسة تابعة للدولة ـ لجزء هام من جهوده للتوعية وللتثقيف بحقوق الإنسان ـ لتؤكد بأن تعليم حقوق الإنسان هي عملية قائمة بالرغم من غياب أو عدم وضوح النصوص المرجعية والقانونية بهذا الشأن.

مع ذلك، من الاهمية بمكان أن نستعرض هنا النصوص الدستورية المتعلقة بالتعليم. أكدت المادة السادسة من الدستور الاردني في فقرتها الثانية على أن “تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود امكانياتها، وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين”. كما كرست المادتان التاسعة عشرة والعشرون من الدستور، الصادر في 1/1/1952ـ أي قبل أكثر من نصف قرن ـ حق المواطنين في التعليم ؛ فقد جاء نص المادة التاسعة عشرة ليؤكد بانه “يحق للجماعات تأسيس مدارسها والقيام عليها لتعليم أفرادها على ان تراعي الاحكام العامة المنصوص عليها في القانون وتخضع لرقابة الحكومة في برامجها وتوجيهها”. أما المادة العشرون، فتنص على أن “التعليم الابتدائي إلزامي للاردنيين، وهو مجاني في مدارس الحكومة” (3).

وبالفعل، جاء قانون التربية والتعليم رقم 16 لسنة 1964 ليجعل التعليم إلزاميا” ومجانيا” لمدة تسع سنوات لدى بلوغ الطفل سن الدخول الى المدرسة، اي ست سنوات من التعليم الابتدائي وثلاث سنوات من التعليم الاعدادي ـ كما كان يطلق عليه قبل عام 1988. وفي أعقاب إعادة تنظيم بنية التعليم العام في البلاد، في ضوء قرارات المؤتمر التربوي الاول (أيلول 1987) اصبح “التعليم الاساسي تعليم إلزامي ومجاني في المدارس الحكومية”، وفقا” للمادة العاشرة ـ الفقرة (أ) من قانون التربية والتعليم رقم 3 لسنة 1994. ومرحلة التعليم الاساسي هي تلك التي تمتد من الصف الاول ولغاية الصف العاشر ـ كما هو معروف.

إضافة الى الحق في التعليم ينص الدستور الاردني على العديد من حقوق الإنسان الاساسية. الفصل الثاني منه (المواد 5 ـ 23)، وهو بعنوان “حقوق الاردنيين وواجباتهم” ينص مثلا” على الحق في الجنسية، المساواة امام القانون، عدم التمييز، العمل، التعليم، صون الحرية الشخصية، عدم جواز توقيف أو حبس أحد إلا وفق أحكام القانون، عدم جواز إبعاد اردني عن ديار المملكة، احترام حرمة المساكن، الحق في الملكية، حرية ممارسة الشعائر الدينية، حرية الراي والتعبير والصحافة، الحق في الاجتماع، الحق في تشكيل الاحزاب والنقابات والجمعيات، سرية المراسلات البريدية، الانتخاب، الحق في التقاضي إلخ.

بعد نحو أربعة عقود من صدور الدستور، جاء الميثاق الوطني الاردني (حزيران 1991) ليؤكد من خلال نصوص واضحة وتفصيلية إلتزام الاردن، الدولة والمجتمع، بمبادئ حقوق الانسان وبالديمقراطية وبالتعددية والحث على تطبيقها.

في حين أن الدستور هو وثيقة تشريعية اساسية ملزمة للدولة الاردنية، فإن الميثاق الوطني يعتبر وثيقة مرجعية سياسية ذات صفة معنوية ولا تحمل اي وزن قانوني.

يحتوي الفصل الثاني من الميثاق، وعنوانه “دولة القانون والتعددية السياسية”، على نصوص في غاية الدقة والوضوح والصراحة حول الالتزام بحقوق الإنسان.

جاء في البند الاول من هذا الفصل، عند التعريف بدولة القانون ما يلي :

“1ـ دولة القانون هي الدولة الديمقراطية التي تلتزم بمبدأ سيادة القانون وتستمد شرعيتها وسلطاتها وفاعليتها من إرادة الشعب الحرة، كما تلتزم كل السلطات فيها بتوفير الضمانات القانونية والقضائية والادارية لحماية حقوق الانسان وكرامته وحرياته الاساسية التي أرسى الاسلام قواعدها وأكدها الاعلان العالمي لحقوق الاإنسان وجميع المواثيق الدولية والاتفاقيات الصادرة عن الامم المتحدة بهذا الخصوص.

2ـ إن الدولة الاردنية هي دولة قانون بالمفهوم العصري الحديث للدولة الديمقراطية، وهي دولة المواطنين جميعا”، مهما اختلفت آراؤهم أو تعددت اجتهاداتهم، وهي تستمد قوتها من التطبيق الفعلي المعلن لمبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص، وإتاحة المجال العملي للشعب الاردني للمشاركة في صنع القرارات المتعددة بحياته وشؤونه، بما يحقق للمواطنين الاستقرار النفسي والإطمئنان والثقة بالمستقبل والغيرة على مؤسسات الدولة والاعتزاز بشرف الانتماء الى الوطن” (ص 29 من الميثاق).

ويمضي الميثاق في توضيح وتحديد المرتكزات الاساسية لدولة القانون فيعدد من بينها : “الالتزام في ممارسة الديمقراطية، بمبادئ العدالة الاجتماعية ومقتضياتها” ؛ و “التأكيد على أن تكون القوانين بعامة ملتزمة بإحترام حقوق المواطن الاساسية وحرياته العامة”.

ومن بين ضمانات “النهج الديمقراطي” التي يوردها الميثاق : “ترسيخ قيم التسامح والموضوعية واحترام معتقدات الغير”، و”ضمان الحريات الاساسية لجميع المواطنين بما يحمي مرتكزات المجتمع الديمقراطي وحقوق الفرد ويكفل حرية التعبير عن الرأي وإعلانه بحرية كاملة، في إطار الدستور” ؛ وكذلك “تحقيق المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص بين المواطنين رجالا” ونساء” بدون تمييز” (ص 32 من الميثاق).

ولا تقتصر نصوص الميثاق على تأكيد الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين والحث على تطبيق النهج الديمقراطي في الدولة والمجتمع، بل وتشمل تلك النصوص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كذلك، ومن بينها العمل والصحة والتعليم وحق المرأة في المساواة وحقوق الطفل والضمان الاجتماعي ..

فيما يتعلق بالتربية والتعليم، يقول الميثاق : ” نظام التربية والتعليم الاردني نظام متكامل متطور، تعبر فلسفته عن فكر الامة وقيمها، وتقوم على ثوابت العقيدة الاسلامية والمثل العليا للامة العربية والتجربة الوطنية الاردنية”. وهذا يتطلب “تنشئة الفرد المتكامل روحيا” وجسميا” ونفسيا” وعقليا” واجتماعيا”، الواعي لحقوقه الملتزم بواجباته(…) المتمتع بالروح العلمية والديمقراطية، المؤمن بحقوق الانسان ومبادئ العدل والخير والمساواة”. وأيضا” “تربية النشء على الايمان بالله وبأصالة الامة العربية وبقدراتها على التجديد والابداع”. ويضيف : “أن نظام التعليم معني بتنمية التفكير المستقل المبدع، وذلك بتحريك دوافع العمل والجدية والاتقان والتميز، وتوجيه التعليم نحو إعداد الإنسان الاردني للمستقبل، بتنمية معرفته وتطوير قدراته العقلية والنفسية، لمواجهة تحديات المستقبل وأخطاره، وبناء منهجية التفكير العلمي والناقد، بتوجيه التعليم نحو مهارات استخراج المعرفة واستيعابها ومحاكمتها محاكمة عقلانية” (ص 45 من الميثاق).

إضافة لذلك، يوصي الميثاق بضرورة الربط بين نظام التعليم والانتاج، وان يتصف هذا النظام ب “الشمول والمرونة” وان يهتم بالموهوبين وبتعليم المعوقين وتأهيلهم بحيث يصبحوا “عناصر منتجة في المجتمع”. ويؤكد على أهمية تعلم اللغات الاجنبية الحية “لتمكين الاجيال من الاطلاع على العلوم والآداب وشتى أشكال النشاط الانساني المكتوب بتلك اللغات، وتحقيق التواصل الحضاري مع الامم الاخرى”. وأخيرا”، يؤكد الميثاق على “إيلاء مهنة التعليم ما تستحقه من عناية وتقدير لحتل مكانتها الاجتماعية اللائقة بين المهن المختلفة، والاهتمام بتأهيل المعلم الاردني وإشراكه في عملية صنع القرار التربوي ورفع مستواه العلمي والمعرفي والمعيشي”.

لقد انعكست هذه المضامين بشكل عام في الوثائق اللاحقة، وبخاصة في قانون التربية والتعليم رقم 3 لسنة 1994 وتعديلاته. من بين “الأسس الفكرية” التي تقوم عليها التربية والتعليم في الاردن والاهداف العامة المتوخاة منها كما وردت في القانون المذكور : “الايمان بالله تعالى والايمان بالمثل العليا للامة العربية والعلاقة بين الاسلام والعروبة علاقة عضوية”، وبأن “الاسلام نظام فكري سلوكي يحترم الانسان ويعلي من مكانة العقل ويحض على العلم والعمل والخلق”.

تؤكد “الأسس الوطنية والقومية والإنسانية” بأن “الشعب الاردني وحدة متكاملة ولا مكان فيه للتعصب العنصري أو الاقليمي أو الطائفي أو العشائري أو العائلي”، وبأن “القضية الفلسطينية قضية مصيرية للشعب الاردني، والعدوان الصهيوني على فلسطين تحد سياسي وعسكري وحضاري للامة العربية الاسلامية بعامة والاردن بخاصة”. ومن بين هذه الاسس “التوازن بين مقومات الشخصية الوطنية والقومية والاسلامية من جهة والانفتاح على الثقافات العالمية من جهة أخرى”، وكذلك “التفاهم الدولي على أساس العدل والمساواة والحرية” و “المشاركة الايجابية في الحضارة العالمية وتطويرها”.

وتضمنت “الاسس الاجتماعية” على ان الاردنيين متساوون في الحقوق والواجبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى “إحترام حرية الفرد وكرامته”. وتقر بأن “المشاركة السياسية والاجتماعية في إطار النظام الديمقراطي حق للفرد وواجب عليه إزاء مجتمعه” ؛ وأخيرا” فإن “التربية ضرورة اجتماعية والتعليم حق للجميع كل وفق قابليته وقدراته الذاتية” (4).

وحددت المادة الرابعة من القانون الاهداف العامة للتربية والتعليم ب”استيعاب الاسلام عقيدة وشريعة والتمثل لما فيه من قيم واتجاهات”، و”الانفتاح على ما في الثقافات الانسانية من قيم واتجاهات حميدة” ؛ “التفكير النقدي الموضوعي واتباع الاسلوب العلمي في المشاهدة والبحث وحل المشكلات”، و” التمسك بحقوق المواطنة وتحمل المسؤوليات المترتبة عليها”، وأخيرا”، “تقدير إنسانية الإنسان وتكوين قيم واتجاهات ايجابية نحو الذات والآخرين والعمل والتقدم الاجتماعي وتمثل المبادئ الديمقراطية في السلوك الفردي والاجتماعي”.

ووفقا” للمادة الخامسة من القانون، تتمثل مبادئ السياسة التربوية ب ” توجيه النظام التربوي ليكون اكثر موائمة لحاجات الفرد والمجتمع وإقامة التوازن بينهما” و “تاكيد أهمية التربية السياسية في النظام التربوي وترسيخ مبادئ المشاركة والعدالة والديمقراطية وممارستها”، و “توجيه العملية التربوية لتطوير قدرة المواطن على التحليل والنقد والمبادرة والابداع والحوار الايجابي، وتعزيز القيم المستمدة من الحضارة العربية الاسلامية”.

واخيرا”، نص القانون على تعزيز العلاقة بين المؤسسة التعليمية ومجتمعها المحلي، وذلك من خلال إنشاء مجالس محلية للمدارس ومجالس أولياء امور الطلبة والمعلمين، وتفعيل الانشطة الخاصة بخدمة المجتمع والعمل التطوعي.

** تطور تعليم حقوق الانسان:الجهود والانجازات على الصعيدين الرسمي والاهلي (1987ـ 2005)

يستند الاردن الى رصيد إيجابي نسبيا” في مجال حقوق الانسان بشكل عام يمكنه من المضي قدما” في نشر تعليم حقوق الانسان وتطويره، سواء في إطار النظام المدرسي أو خارجه.

تم استعراض الإطار العام، بخاصة القانوني، لتعليم حقوق الإنسان في الفصل السابق. ويمكن أن يضاف إليه مصادقة الاردن على نحو سبعة عشرة إتفاقية دولية لحقوق الإنسان، من بينها الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، بالاضافة الى العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتقدم الحكومة الاردنية تقارير دورية الى اللجان المنبثقة عن العهدين المذكورين وعن الاتفاقيات الاخرى لتبيان مدى التزامها ببنودها.

أما عن توفر الحق في التعليم في المجتمع الاردني، فإن الارقام التالية تعطي فكرة مختصرة ولكن واضحة عن ذلك ـ علما” بأن عدد سكان الاردن بلغ 5350000 نسمة في عام 2004 :

ـ بلغ عدد طلبة التعليم الاساسي 1256400

ـ بلغ عدد طلبة التعليم الثانوي 183400

ـ بلغ عدد معلمي التعليم الاساسي 57800

ـ بلغ عدد معلمي التعليم الثانوي 15600

ـ نسبة عدد الطلبة / المعلم (التعليم الاساسي) 22

ـ نسبة عدد الطلبة / المعلم (التعليم الثانوي) 11،8

ـ نسبة الطالبات للطلاب في المرحلة الاساسية 96،2

ـ نسبة الطالبات للطلاب في المرحلة الثانوية 100،0

ـ نسبة الطالبات للطلاب في مرحلة الدبلوم المتوسط 155،6

ـ نسبة الطالبات للطلاب في المرحلة الجامعية 100،1

ـ نسبة الطلبة في المدارس الحكومية 70،3

ـ نسبة الطلبة في المدارس الخاصة 20،0

(المصدر : “الاردن بالارقام” / العدد 7 ـ آيار 2005 ؛ دائرة الاحصاءات العامة ـ عمان / المملكة الاردنية الهاشمية).

على صعيد آخر، أولى الاردن التعليم اهتماما” خاصا” وذلك منذ أمد طويل. وبالاضافة الى الارقام السابقة، يعكس تطور النسبة المئوية لميزانية وزارة التربية والتعليم الى الموازنة العامة للدولة في العقود القليلة السابقة مدى إهتمام الدولة في نشر التعليم وتعميمه على مناطق البلاد كافة، بالاضافة الى ضرورات الاستجابة لمتطلبات الزيادة السكانية. يعكس الجدول التالي ذلك الاهتمام :

لفت الاهتمام البارز الذي يوليه الاردن للتعليم انتباه العديد من الهيئات والمنظمات الدولية. على سبيل المثال لا الحصر، جاء في احدى “الملاحظات الختامية” الصادرة عن لجنة الامم المتحدة المنبثقة عن العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ـ بعد مناقشتها لتقرير الحكومة الاردنية في اجتماعها الدوري (آب 2000) ـ ما يلي : “ترحب اللجنة بالتزام الدولة الطرف تجاه تحسين الوصول الى التعليم وبخاصة للبنات” (5).

أدى التوسع الكمي في التعليم الى بروز مشكلات عديدة بدأت تظهر على سطح الحياة الوطنية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي. من بين هذه المشكلات تخلف التعليم عن المتطلبات الجديدة للمجتمع ودرجة تطوره، واغترابه عن الواقع واعتماده اساليب التلقين والحفظ وضعف مستواه بصورة اصبحت تنذر بعواقب وخيمة على المجتمع برمته آنذاك.

لذلك بدأت ـ منذ منتصف الثمانينات ـ مختلف أوساط المجتمع والدولة في الاردن، بخاصة الأوساط التربوية، تشعر بالحاجة الماسة لتطوير النظام التعليمي والتربوي بما يتلائم وحاجات الاردن ومستقبله، وضرورة الإعداد الأفضل للاجيال علميا” وثقافيا” واجتماعيا” وحضاريا”. بناء على ذلك، تم عقد “المؤتمر الوطني الاول للتطوير التربوي” في أيلول 1987. ويعتبر هذا المؤتمر حجر الزاوية في عمليات التطوير اللاحقة، بما في ذلك البدء بإدخال مبادئ ومفاهيم وأفكار حقوق الإنسان الى المناهج المدرسية.

خرج المؤتمر بمجموعة هامة من التوصيات أعادت تحديد الاهداف التربوية والبنية التعليمية ؛ واعتبرت التوصية الخامسة “تطوير المناهج وتحديثها” من أولويات عملية التطوير التربوي. ومن بين المرتكزات الاجتماعية التي حددها المؤتمر لكي يقوم على اساسها النظام التربوي “المساواة في الحقوق والواجبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية”، وكذلك اعتبار “المشاركة السياسية والاجتماعية حق للفرد وواجب عليه ازاء مجتمعه”.

في ضوء مقررات وتوصيات ذلك المؤتمر، تم صياغة قانون جديد للتربية والتعليم (القانون المؤقت رقم 27 لعام 1988) والذي حل محله بعدها بسنوات القانون رقم 3 لسنة 1994 (القانون الساري المفعول مع تعديلاته). عموما” يمكن التأكيد بأن القانون الجديد ـ والذي استعرضنا بنوده الاساسية في الفصل السابق ـ يشكل قفزة هامة على صعيد الرغبة الرسمية المعلنة في تعليم المبادئ الاساسية للديمقراطية للنشء الاردني وتثقيفه بالعديد من مفاهيم حقوق الإنسان. وجاءت نصوص الميثاق الوطني ـ كما رأينا ـ لتؤكد التوجهات الجديدة.

خطت وزارة التربية خطوات في ترجمة مواد ذلك القانون على ارض الواقع وذلك من خلال عدد من البرامج والمصفوفات لمفاهيم حقوق الإنسان تمثلت فيما يلي (6) :

1) البرامج الريادية: قامت وزارة التربية والتعليم منذ عام 1993 ولغاية الآن، ومن خلال إداراتها المختلفة(المناهج، التعليم، التدريب) بتنفيذ العديد من البرامج بالتعاون مع منظمات عالمية أو مؤسسات محلية بهدف نشر تعليم حقوق الإنسان وحل النزاعات بطرق إبداعية وتطوير البيئات الصفية والمدرسية، وإكساب الشباب مهارات الحياة النافعة وتوظيف اساليب تدريس متنوعة. من هذه البرامج ما تم دمجه في المناهج والكتب المدرسية مثل “التربية الشاملة، حقوق الإنسان والديمقراطية، تطوير البيئات التعلمية الآمنة، المدرسة الصحية وتمكين المرأة والقانون الدولي الإنساني”.

2) مصفوفات مفاهيم حقوق الإنسان : قامت وزارة التربية والتعليم بإعداد مصفوفات مفاهيمية مرجعية متعددة خلال الاعوام 1999 ـ 2003 : مصفوفة المفاهيم البيئية، مصفوفة التربية السكانية، مصفوفة القانون الدولي الإنساني، مصفوفة التربية الصحية، مصفوفة مهارات التربية الشاملة، مصفوفة مهارات الحياة النافعة للشباب.

وكانت أهم هذه المصفوفات “مصفوفة حقوق الإنسان والسلام والقيم العالمية المشتركة” التي اقرها مجلس التربية والتعليم بتاريخ 6/10/2003 وتجري مراجعتها في الوقت الحاضر مع المركز الوطني لحقوق الإنسان. ويستند الى هذه المصفوفات في عملية تطوير البرامج والفعاليات التربوية.

3) مشروع التطوير التربوي نحو الاقتصاد المعرفي 2003 : سيتم تنفيذ هذا المشروع على مرحلتين مدة كل منهما خمس سنوات ؛ وتم التأكيد على التربية على حقوق الإنسان في هذا المشروع من خلال المكونات التالية :

ـ المناهج والكتب المدرسية : تضمين الاطر العريضة للمناهج والتي تم إعدادها مجموعة المفاهيم والقيم والاتجاهات الخاصة بالتربية على حقوق الإنسان، وتم تحديد الاطر الحاملة للتربية على حقوق الإنسان. وتعد مسودة الإطار العام لمنهاج التربية الوطنية والمدنية مثالا” لذلك، إذ نص الهدف العام على الآتي : تزويد الطلبة بوسائل وتقنيات تكنولوجية حديثة تنمي القيم والاتجاهات الايجابية لديهم كالمواطنة الصالحة واستقلال الشخصية والتمتع بالحريات المشروعة والمكتسبة، ومعرفة حقوقهم وواجباتهم واحترام الآخرين والانفتاح على الثقافات الأخرى والحوار معها بما يتلائم وتطوير التعليم من اجل الاقتصاد المعرفي.

حددت مجموعة نتاجات تعليمية لطلبة المرحلتين الاساسية والثانوية على النحو الآتي :

  • الفهم الواعي للمفاهيم العالمية المرتبطة بحقوق الإنسان والقانون الدولي وثقافة السلام ؛
  • الحفاظ على العادات والتقاليد والقيم العربية الاصيلة والايجابية في ظل النظام العالمي الجديد والموائمة بين الأصالة والمعاصرة.

ـ تنمية الإداريين : تم تصميم برامج تدريبية للاداريين والمعلمين بهدف ترقيتهم حيث تضمنت موضوعات على حقوق الإنسان والطفل والمرأة وآليات حمايتها على المستوى الوطني والعالمي.

4) النشاطات التربوية المرافقة : تقوم المدارس بالعديد من هذه النشاطات التربوية التي تؤكد على حقوق الإنسان وتنمية الحس الاجتماعي والصحي والبيئي عند الطالب من خلال تنفيذ مجموعة من الفعاليات بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المحلي ومنظمات عالمية، مثل إقامة المخيمات البيئية وتنظيم المسابقات وتنظيم برامج لخدمة المجتمع المحلي (حملات نظافة عامة وخدمة الكبار)، تنظيم ندوات تعالج موضوعات تتعلق بحقوق الإنسان بالتعاون مع منظمات حكومية وغير حكومية.

** المناهج والكتب المدرسية

استنادا” الى التوجهات التي وردت في قرارات المؤتمر التربوي الاول والقانون المؤقت للتربية والتعليم لعام 1988 أقر مجلس التربية والتعليم الخطوط العريضة للمناهج الجديدة عام 1991. ثم وضعت الكتب المدرسية، وفقا” للمناهج المقررة وانجزت عملية تأليفها حلال الاعوام (1991 ـ 1995)، وكانت بمعظمها كتبا” تجريبية، الامر الذي سمح بإدخال تعديلات عليها في السنوات اللاحقة.

مثلما اتضح فيما بعد، كان الهاجس الاساس في تلك المرحلة هو “التربية الوطنية والاجتماعية” والتي ورد العديد من مفاهيم ونصوص وأفكار ومبادئ حقوق الإنسان في سياقها، ربما بصورة لاإرادية في بعض الاحيان، وبصورة عشوائية او حتى إرتجالية في احيان اخرى.

لدى قراءة الكتب المدرسية التي صدرت قبل عقد من الزمن، يلاحظ غياب الوعي لدى واضعي تلك الكتب بمبادئ حقوق الإنسان. كانت ترد الأفكار بصورة غير قصدية، ولم يكن الهدف المباشر منها تعليم حقوق الإنسان، بل تعريف الطالب بمؤسسات الدولة الاردنية وبنظام الحكم فيه وبالمجتمع الاردني ووظائف تلك المؤسسات، وتثقيفه بالبنود الاساسية للدستور الاردني، وتعريضه للثقافة القانونية وللقضاء ولقضايا المجتمع السكانية والبيئية وللتطور الاقتصادي والاجتماعي الذي حققه الاردن في الميادين المختلفة.

لكن الكتب المدرسية، خاصة تلك المتعلقة بالتربية الوطنية والاجتماعية (وأحيانا”كان يطلق عليها “التربية المدنية”) ـ وبدرجة أقل كتب اللغة العربية والتاريخ والثقافة الاسلامية واللغة الانجليزية ـ كانت تعلم الطالب ـ في الوقت نفسه ـ العديد من مفاهيم حقوق الإنسان، بدرجات متفاوتة، في إطار السياقات المشار إليها.

إن الدرس الذي كان ـ ولا يزال ـ يعلم الطالب “حقوق الاردنيين وواجباتهم” في الدستور الاردني، كان يعلمه في الوقت نفسه العديد من مفردات ومبادئ حقوق الإنسان (الحق في العمل، الحق في حرية التعبير، الحق في الانتخاب..). وعندما يعرض كتاب مدرسي من كتب مادة التاريخ ل “نضال العرب من اجل الحرية والاستقلال”، فهو يعلم الطالب بصورة ضمنية بأن “الحرية حق من حقوق الإنسان.

وعندما يحث كتاب الصف السادس ـ مثلا” ـ الطالب على ضرورة المحافظة على الاشجار والغابات ونظافة الشوارع، فإنه يعلمه تلقائيا” ـ وربما دون أن يدري ـ بأن البيئة النظيفة هي حق من حقوق الإنسان، بل وقيمة يجب المحافظة عليها وإعلاء شأنها.

وقد تطور مضمون الكتب المدرسية من حيث حقوق الانسان، خصوصا” كتب التربية الوطنية والمدنية، بصورة ملحوظة في السنوات الاخيرة، حيث اصبحت تتضمن دروسا” كاملة مخصصة احيانا” للاعلان العالمي لحقوق الانسان ولحقوق المرأة ولحقوق الطفل وللديمقراطية إلخ..

بالمقابل، نظرا” لان تعليم حقوق الإنسان كهدف لم يكن واردا” او ربما واضحا” لدى العديد من واضعي الكتب المدرسية، او ربما لاغراض أيديولوجية، فقد وردت ولا تزال ترد في هذه الكتب نصوص مشوهة أو غريبة، أو أحيانا” متناقضة مع مبادئ ومضامين حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية، بل ومتناقضة ايضا” مع التفكير الموضوعي والعقلاني.

على سبيل المثال، يعرف كتاب “الثقافة العامة/العالم” للمرحلة الثانوية “الديمقراطية” بطريقة موجهة لا يتورع معها من الافتراء عليها وفبركة مصطلحات لم يسمع بها أحد من قبل ك “الديمقراطية الشرقية”.

يقول الكتاب في طبعته الاخيرة : “.. فالتاريخ ملئ بالشواهد على أن إفرازات الممارسة الديمقراطية لم تكن إيجابية في كل الاحوال والظروف” ، ويعطي أمثلة على ذلك دكتاتوريات هتلر وميلوسوفيتش. ويوحي بأن “مجموعات كبيرة غوغائية يمكن أن تصل الى السلطة وتعمل ما يروق لها”. ويمضي الكتاب في تعميم “فوضى” المفاهيم حول الديمقراطية فيقول : “.. وتتأثر ممارسة الديمقراطية بالايديولوجية التي يؤمن بها المجتمع، فالديمقراطية الغربية مثلا” ترى أنه لا بد للمواطن أن يحكم نفسه بنفسه، ولكنها ترى أن ذلك يصعب تحقيقه، إن لم يكن مستحيلا”، لذا فهم يلجأون الى انتخاب من يمثلهم”.

ويضيف بعد ذلك مباشرة : ” أما الديمقراطية الشرقية، فهي ترى أن يترك الحكم لفئة متخصصة في الشؤون الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهي فئة يتوفر لديها العلم والمعرفة والتجربة والحنكة أكثر من أفراد الشعب الآخرين” !

(يراجع كتاب “الثقافة العامة” للمرحلة الثانوية ـ طبعة عام 2004 الصفحتان 118 ـ 119).

لقد علق أحد المفكرين والاكاديميين الاردنيين على هذا الموضوع متسائلا” : “اي ديمقراطية تلك التي تتحدث عنها كتب وزارة التربية والتعليم، وأي اسس علمية او فكرية لمثل هذه الاقوال ؟!” ؛ ويضيف : “إذا كانت وزارة التربية والتعليم تشعر بالحرج من تعليم الديمقراطية المتعارف عليها والمقبولة عالميا”، فمن الافضل ان لا تدرس الموضوع في مدارسها ابدا”، بدلا” من غرس مفاهيم مشوهة تصبح جزء” من الممارسة ويصعب تصحيحها” (7)

والحقيقة أن كتب التربية الوطنية والمدنية لصفوف السادس والسابع والتاسع والعاشر ، من المرحلة الاساسية، في طبعتها الاخيرة ـ اي 2005 ـ تقدم الديمقراطية في دروس مختلفة ؛ وفي كل درس يحرص واضعو الكتب على تقديم الشورى ايضا” بحيث يوحى للطالب بأنهما مترادفان او قريبان من بعضهما. ويطرح ما يراد للطالب ان يتمسك به، وهو الشورى، في درس واحد بصورة صريحة وهو الدرس الخامس من الوحدة الثالثة من كتاب “التربية الوطنية والمدنية” للصف العاشر. الدرس بعنوان “التجربة الديمقراطية في الاردن” ؛ وفي إحدى الفقرات الواردة تحت بند “التحديات الداخلية”، الفقرة (د) نقرأ ما يلي :

“اعتماد النموذج الغربي مقياسا” للحكم على الديمقراطية الاردنية : لكل مجتمع ظروفه وجذوره الثقافية التي تجعل لذلك المجتمع خصوصية معينة، فالاختلاف واضح بين الثقافة العربية الاسلامية التي يستمد الاردن منها ديمقراطيته، والثقافة الغربية التي هي نمط تفكير مختلف عن ثقافة وتقاليد الشعب الاردني”. وهذا يعني بالملموس التهرب من تعليم الديمقراطية بمعناها الصحيح، وهي بالاساس حق الناس في الاختلاف وفي اختيار ممثليهم. (كتاب “التربية الوطنية والمدنية” للصف العاشر ص 53)

مثال آخر : يعلم احد الكتب “الحرب العادلة والحرب غير العادلة” (وهذا عنوان الدرس)، يليه مباشرة درس عن “السلام”، وكانهما متممان لبعضهما البعض ! من وجهة نظر مبادئ حقوق الانسان كل الحروب مرفوضة ؛ والافضل ان يثقف الطالب بالسلام فقط الذي هو “حاضن حقوق الانسان”، وبأن السلام لا يتعارض مع حق الانسان في الدفاع عن النفس ومع حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الاجنبي لبلدانها ودفاعا” عن حقوقها ومصالحها المشروعة. فضلا” عن ذلك إن طرح الكتاب يدخل المعلم والطالب بمتاهات حيث اصبحت بعض الدول تطرح في السنوات الاخيرة موضوع “حروب التدخل الانساني” (!) فأين يقع تصنيف هذه ؟ (كتاب “التربية الاجتماعية والوطنية” ـ الجزء الثاني، طبعة عام 2005، الصفحات 71 ـ 73 ، والصفحتان 74 ـ 75 ؛ ).

أما الملاحظة الاخرى الاساسية ـ وهي تتعلق بالجزء الخاص بالفلسفة من كتاب “الثقافة العامة /الإنسان” ، فهي السعي بإستمرار الى ربط الافكار والموضوعات الفلسفية بالدين، كما يلاحظ التردد بالاستشهاد بالعلم بالرغم من تأكيد الكتاب بانه لا يوجد تناقض بين الاثنين. وأخيرا” يلاحظ تناقض ما يدرس في هذا الكتاب مع ما هو وارد في كتاب “التربية الاجتماعية والوطنية” للصف الخامس (الجزء الثاني) وكتاب “التربية الوطنية والمدنية” للصف التاسع.

إن الباحث ليس خبيرا” في الفلسفة، ولكنه يود أن يلفت الانتباه إلى أن وزارة التربية والتعليم الاردنية كانت تدرس الفلسفة بصورة مختلفة وموسعة في كتبها طوال السنوات من عام 1956 ولغاية مطلع السبعينات من القرن الماضي ؛ كما لم تكن تلك الكتب تلجأ الى الاستناد الى الدين من اجل تعليم الفلسفة. وعلى أية حال، لا تزال تلك الكتب موجودة، ويمكن الرجوع إليها.

وفيما يلي أمثلة أخرى لما يتعلمه الطالب في نهاية مرحلة دراسته الثانوية : في الدرس المخصص عن المعرفة، لا يترك الكتاب اي مجال للاجتهاد ؛ إن أعظم معرفة ـ كما يقول ـ هي تلك التي تأتي من خارج الإنسان (ص 13 من كتاب “الثقافة العامة / الإنسان” للمرحلة الثانوية، طبعة 2004) ! والامر نفسه ينطبق على الاخلاق التي يعتبر أفضلها ما هو منبثق عن الدين. وعند الحديث عن الديمقراطية، غالبا” ما يتم الاشارة الى “الشورى”، بإعتبارها الرديف للديمقراطية، إن لم تكن البديل عنها !

إذا كان من السهل أن نفهم هذا التركيز على المرجعية الدينية، لانها تقع في صلب منطلقات فلسفة التعليم في الاردن، إلا ان ذلك يقود أحيانا” الى الخروج عن الموضوعية والدقة العلمية، ويقود الى بلبلة تفكير الطالب. كامثلة على ذلك : يقدم كتاب “الثقافة العامة / الانسان” ،المذكور اعلاه، “الملابس الغربية والكوكاكولا والاطعمة السريعة وموسيقى البوب وأفلام هوليود والرياضة الغربية”، بإعتبارها تنويعات للثقافة العلمانية ! (الكتاب الصفحة 31). وفي الطبعة السابقة (2002) كان هذا الكتاب يقدم “العلمانية” كما لو انها مرادف ل “الكفر والالحاد” !

ويثقف الطالب بوجود نوعين من العلوم : “العلوم الاسلامية” القائمة على الايمان والدين من جهة، و”العلوم الغربية الحديثة والتكنولوجيا الحديثة”، القائمة على الشك من جهة اخرى (كتاب “الثقافة العامة / الإنسان” للمرحلة الثانوية، طبعة 2004 الصفحات من 28 ـ32). وفي حين يحاول الكتاب ان يوحي للطالب بان النوع الاول من العلوم هو الافضل، فإنه يؤكد له بأن النوع الثاني من العلوم هي التي لها الغلبة في العصر الحديث. يحق للمرء أن يتساءل : إلى أين تقود مثل هذه “المعرفة” ؟ وأين يصنف الكتاب “التكنولوجيا الصينية” او “التكنولوجيا اليابانية” مثلا”، المستوطنة في بلد عريق لا يزال يتمسك بتاريخه وثقافته ومعتقداته وتقاليده ومن الصعب ان توصف بالاسلامية او الغربية ؟!

كان من حسن طالع التربية والتعليم في الاردن ـ بخاصة تعليم حقوق الإنسان ـ أن بذلت محاولات مبكرة لتقييم الكتب المدرسية الاردنية من حيث محتواها لمبادئ وأفكار حقوق الإنسان بعد فترة وجيزة من صدورها واعتمادها. جاءت المحاولة الكبرى والاساسية في إطار برنامج “تعزيز التربية على حقوق الانسان على أربع مراحل، استهدفت المرحلة الاولى منها القيام بمسح وتحليل مضمون الكتب المدرسية في إثني عشر بلد عربي من حيث احتوائها على مبادئ ومفاهيم حقوق الإنسان ؛ وكانت تلك أول دراسة من نوعها بهذا الشمول. وقد اختيرت البلدان العربية التي صادقت على العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن بينها الاردن بالطبع.

قام فريق البحث الاردني، المكلف من المعهد العربي لحقوق الانسان، خلال عام ونصف (1996 ولغاية منتصف 1997) بقراءة وتحليل ونقد 77 كتابا” بلغ عدد صفحاتها 9472 صفحة، وشملت مقررات مواد التربية الوطنية والاجتماعية (المدنية) والتربية الدينية الاسلامية واللغة العربية واللغة الانجليزية (8).

لقد تم رصد تكرارات كل ما ورد من جمل وفقرات ونصوص مختلفة تتعلق بمفاهيم وقيم حقوق الإنسان في تلك الكتب. وتم تبويب الحقوق الواردة فيه وفقا” لجدول التصنيفات المعتمد من قبل الدارسين (الملحق رقم 1). وتم رصد تكرارات النصوص التي تتضمن مفاهيم مناقضة لقيم ومبادئ حقوق الإنسان. وشمل البحث ايضا” “طريقة عرض المعلومة أو المفهوم” وعدد تكراراتها، وكذلك شكل التنصيص (تقريري، تمرينات، اسئلة، صور، أنشطة، مطالعة .. ) (9) .

** يلاحظ من الدراسة المذكورة ما يلي :

1ـ ان القسم الاعظم من النصوص تورد مفاهيم حقوق الإنسان بصورة ضمنية، ثم يأتي بالدرجة الثانية بصورة صريحة.

2ـ ان القسم الاعظم من النصوص تورد مفاهيم حقوق الإنسان بالاستناد الى مرجعية دولية، ثم يأتي بالترتيب المرجعية القومية والدينية، وفي احيان أقل مرجعية وطنية.

3ـ ان الحقوق التي تندرج تحت عناوين الكرامة والحرية والتضامن كان لها نصيب الاسد، في حين أن الحقوق التي تندرج تحت مبادئ العدالة والمساواة كانت تحتل حيزا” متواضعا”. وهذا يشير الى ضعف التوازن بين المبادئ الاساسية لحقوق الإنسان في متون هذه الكتب والتدريبات عليها والممارسات المتعلقة بها. كما لا يوجد تدرج وتسلسل في عرض هذه المبادئ يتفق والمستويات التعليمية، اي والنمو العقلي للطلبة في مختلف أعمارهم، ولا يؤدي الى وضوح كامل لمبادئ حقوق الإنسان في ذهن الطالب.

4ـ ان كتب مادة التربية الوطنية والاجتماعية (المدنية) تتضمن العدد الأكبر من النصوص التي تحمل مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان، تأتي بعدها كتب اللغة العربية، ثم التربية الاسلامية فاللغة الانجليزية.

5ـ لا يوجد تنسيق شامل ، أفقي وعامودي، بين أجزاء المادة المعرفية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي تقدم للطالب، بما في ذلك كتب المادة الأكثر تقدما” في هذا المجال، وهي كتب التربية الوطنية والاجتماعية والمدنية. لذلك نجد مفاهيم مضطربة ، وأحيانا” متناقضة بين كتاب وآخر وصف وآخر فيما يتعلق بحقوق الإنسان، بحيث تخلق تشويها” أو غموضا” في فهم الطالب أو المعلم لهذه الحقوق.

6ـ يلاحظ التفاوت الواضح بين مؤلفي كتب هذه المباحث في الالمام بحقوق الإنسان. ويبرز هذا التفاوت في عدد لا يستهان به من الكتب، ولا سيما كتب التربية الدينية وكتب الانجليزية ؛ ويلاحظ غياب التنسيق بين فرق المؤلفين، لذلك وجدنا تكرارا” لا مبرر له في النصوص الواردة في كتب التربية الدينية وكتب التربية الوطنية والاجتماعية والمدنية وكتب اللغة العربية.

7ـ الظاهرة البارزة في هذه الكتب المدرسية هي التعبئة السياسية والدينية ، أو ما يمكن أن نسميه “الشحن الايديولوجي” المكثف. في ظل هذه التعبئة، تكاد تختفي المعرفة الموضوعية والحقائق العلمية. هذا ما نجده في كتب التربية الوطنية وكتب التربية الدينية. إن الاسلوب المباشر في شحن الطلبة لتأييد النظام السياسي قد تكون له نتائج سلبية على الطلبة والمعلمين معا” ـ بحيث يبدو لهم ذلك غير مقنع. لا شك ان تقديم المادة المعرفية للطلبة بصورة متوازنة خالية من المبالغة اجدى وافضل علميا” وتربويا”.

** وخلصت الدراسة المذكورة الى التوصيات الرئيسة التالية :

1ـ ضرورة مراجعة كتب التربية الاسلامية والتربية الوطنية والاجتماعية والمدنية واللغة الانجليزية، وذلك لتلافي الاخطاء والنواقص وإزالة التناقضات والتشويهات التي تم تحليلها في الدراسة. وتضيف : ” نوصي بان يتم عرض حقوق الفئات الاجتماعية، والحقوق بصفة عامة، بصورة موضوعية ومحايدة وبالاستناد الى عالمية مبادئ حقوق الإنسان واتفاقياتها الدولية المعروفة”.

2ـ بذل الجهود من قبل وزارة التربية والتعليم الاردنية لتعزيز الوعي بحقوق الإنسان لدى المشرفين التربويين والمعلمين ومؤلفي الكتب، والسعي للاستفادة من التجارب الناجحة في بلدان أخرى من اجل وضع كتب تثقف الطالب بمفاهيم حقوق الإنسان بصورة صحيحة واضحة ومتكاملة.

3ـ عقد دورات تدريبية لمعلمي كتب المواد المدروسة لتبصيرهم بحقوق الإنسان وتمكينهم من اكتساب مهارات خاصة في ربط النصوص الموجودة في الكتب المدرسية بحقوق الإنسان، وربط النشاطات المدرسية بهذه الحقوق ايضا”.

عقب الانتهاء من إجراء الابحاث عن واقع حقوق الإنسان من خلال الكتب المدرسية في المرحلة الاساسية في عدد من الاقطار العربية، نظمت ندوة هامة في بيروت (لبنان) بعنوان “التربية على حقوق الإنسان في الوطن العربي”، عام 1997، دعيت إليها وزارات التربية والتعليم في كل من : الاردن وتونس ولبنان والمغرب ومصر واليمن والمملكة العربية السعودية وقطر وسورية والكويت، وكذلك ممثلو المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان واللجان الوطنية لليونسكو والاونروا وممثلون عن المنظمات غير الحكومية في البلدان العربية المذكورة، إضافة الى ممثلي منظمات دولية غير حكومية تعنى بالتربية على حقوق الإنسان.

ناقشت الندوة النتائج والاستخلاصات التي توصلت إليها الابحاث التي اجريت وتبنت في ختامها عددا” من التوصيات والمقترحات الرامية الى تطوير تعليم حقوق الإنسان في النظام المدرسي بشكل خاص، وفي المؤسسات التعليمية بشكل عام (10).

حاول الباحث أن يستفسر من مصادر وزارة التربية والتعليم عن المدى الذي استفادت منه الوزارة من تلك الدراسة التي قدمت عن الكتب المدرسية الاردنية في ندوة بيروت، وعن مدى الاستفادة من توصيات الندوة نفسها في تطوير تعليم حقوق الإنسان، إلا انه لم يتمكن من الحصول على إجابات شافية.

** مؤشرات إيجابية جديدة على طريق تعليم حقوق الإنسان

مهما يكن من أمر، فقد برز مؤشران هامان بعد ذلك بعامين على اهتمام الحكومة الاردنية الملموس بتعليم حقوق الإنسان. وهذان المؤشران هما :

الاول : صدور قرار حكومي بتشكيل “اللجنة الوطنية الاردنية لتعليم حقوق الإنسان”، أواخر نيسان 1999. وضمت اللجنة بين صفوفهاعددا” من ممثلي المنظمات الاهلية الاردنية العاملة في مجال حقوق الإنسان، من بينهم كاتب هذه السطور. وقد انيط بهذه اللجنة مهمة وضع تقرير حول وضعية تعليم حقوق الإنسان في البلاد، وكذلك وضع خطة لتطوير هذا التعليم. وقد أنجزت اللجنة المهمتان.

الثاني : قيام فريق من وزارة التربية والتعليم ـ بناء على طلب من وحدة حقوق الإنسان في رئاسة الوزراء ـ بإعداد وثيقة حول تعليم حقوق الإنسان على مستوى وزارة التربية والتعليم والجامعات والاعلام التربوي ، وذلك في عام 1999. وتتضمن الوثيقة تحليلا” ـ وفق مصفوفة مفاهيم ـ لكتب التربية الاسلامية واللغة العربية والتربية الوطنية لصفوف المرحلة الاساسية. وحددت المصفوفة ثلاثين مفهوما” رئيسيا” يمكن تضمينها في خمس مجالات رئيسة هي الحرية والعدالة والكرامة والتعاون والتضامن والتسامح الإنساني. واقترحت هذه المصفوفة مجموعة آليات لإدماج مفاهيم حقوق الإنسان المتضمنة في المنهاج والكتاب المدرسي والانشطة التربوية المرافقة ( 11 ).

في 8 شباط (فبراير) 2000 نظمت الحكومة الاردنية ـ بمناسبة زيارة السيدة ماري روبنسون، المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الامم المتحدة ، للاردن، ندوة ليوم واحد عن حقوق الإنسان، قدم فيها عدد من الدراسات، كان من بينها دراسة عن “تعليم حقوق الإنسان في الاردن”. في هذه الدراسة رصد لمفاهيم حقوق الإنسان (المتضمنة في الاعلان العالمي لحقوق الإنسان) والواردة في كتب التربية الاسلامية واللغة العربية والتربية الوطنية. وقد صنفت المحتويات الى ثلاث درجات : (أ) متوفرة ؛ (ب) بحاجة الى تطوير ؛ (ج) غير متضمنة. ويلاحظ من جداول المصفوفة بأن عددا” كبيرا” من مفاهيم حقوق الإنسان لم تجد طريقها بعد الى الكتب المدرسية (12).

في آذار 2000 أعلن جلالة الملك عبدالله الثاني عن تشكيل “اللجنة الملكية لحقوق الإنسان” برئاسة جلالة الملكة رانيا العبدالله. وعلى الرغم من أن التربية على حقوق الإنسان لم تكن من بين المهمات المكلفة بها مباشرة، إلا ان اللجنة ـ خلال عمرها القصير ـ اهتمت بهذا الجانب وضمت إليها “اللجنة الوطنية لتعليم حقوق الإنسان” بعد أن تم إعادة تشكيلها وإعتبارها إحدى اللجان الفرعية للجنة الملكية تحت مسمى “لجنة التوعية والتثقيف”. ووضع الاستاذ سامي قاقيش، عضو هذه اللجنة، “خطة للتوعية والتثقيف بحقوق الإنسان”، شملت بالاضافة الى التعليم، الاعلام ومؤسسات المجتمع الاخرى الحكومية وغير الحكومية. إلا انه لم يعرف على وجه الدقة فيما إذا استفادت وزارة التربية والتعليم والمؤسسات الحكومية الاخرى من تلك الخطة أم لا .

مطلع عام 2002، انجزت دراسة شاملة حول “مكانة حقوق الإنسان في المناهج والكتب المدرسية لمرحلة التعليم الثانوي في الاردن”، بتكليف من المعهد العربي لحقوق الإنسان (13). حللت الدراسة كتب مبحثي التربية الاجتماعية والوطنية والثقافة والتربية والعلوم الاسلامية لصفوف المرحلة الثانوية من حيث احتوائها على نصوص تعكس /أو/و تعلم حقوق الإنسان. وقد توصلت الدراسة ـ التي تقع في أكثر من مئة صفحة ـ الى الخلاصات والتوصيات التالية :

1ـ تتضمن كتب التربية الاجتماعية والوطنية نسبة جيدة من النصوص التي تتحدث عن حقوق الإنسان، أحيانا” بطريقة صحيحة، وفي أحيان كثيرة بطريقة مشوهة او ناقصة أو يتم تحويرها بحيث تتماشى وأهداف أيديولوجية وسياسية للحكم.

إن العدد الوافر نسبيا” من النصوص المتعلقة بحقوق الإنسان ـ وبغض النظر عن الانتقادات التي يمكن ان توجه للعديد منها ـ يدل على أن هناك توجها” رسمي” معتمدا” بتوعية الشباب الاردني بحقوق الإنسان. مثل هذا التوجه يستحق التقدير والدعم، ويمكن اعتباره خطوة أولية هامة لنشر مبادئ وثقافة حقوق الإنسان في المؤسسات التعليمية، خاصة في مرحلة التعليم الثانوي.

2ـ تحتل الحقوق المرتبطة بمبدأي الكرامة والحرية حصة الاسد من النصوص المبثوثة في الكتب المدروسة. بالمقابل، يلاحظ تدني النصوص التي تتضمن مفاهيم عن الحقوق المرتبطة بالعدل والمساواة. وتقع النصوص المتعلقة بالتضامن والتسامح والسلم في منزلة وسط، لكنها ليست كافية هي الأخرى.

إن الحاجة ماسة لكي يكون هناك نوع من التوازن عند تثقيف الطلبة بمختلف الحقوق، اي الاهتمام بصورة أكبر في إيراد نصوص تتعلق بالعدل والمساواة والتسامح والتضامن الانساني. في هذا الإطار، فإن الحاجة ماسة أكثر لتنقية الكتب المدروسة من النصوص والمفاهيم المناقضة لحقوق الإنسان التي يترك بعضها آثارا”سلبية بل وربما يعمل على شطب مفعول النصوص الايجابية التي توعي الطلبة بحقوق الإنسان.

3ـ تظهر الدراسة بانه لا يوجد تنسيق بين مختاف أجزاء المادة المعرفية المبثوثة في الكتب المدروسة من حيث مضامينها المتعلقة بحقوق الإنسان ؛ بعض الكتب يقدم حقوقا” بطريقة معينة تكون أحيانا”متناقضة مع المفهوم الوارد حول الحقوق ذاتها في موقع آخر. نوصي بضرورة إجراء عملية مراجعة وتنسيق بين مضمون الكتب المختلفة حول حقوق الإنسان، بحيث تكون المفاهيم منسجمة مع بعضها البعض. إن تقديم تعريفات مختلفة للديمقراطية أو لحرية الصحافة او للحق في التنظيم النقابي او للمساواة بين الرجل والمرأة يخلق بلبلة وتشويشا” لحقوق الإنسان في أذهان الطلبة.

4ـ تعاني الكتب المدروسة من هاجس التعبئة الايديولوجية المفرطة، وقد سجلت هذه الملاحظة ايضا” على الكتب نفسها التي تدرس في المرحلة الاساسية.

5ـ من الضروري ان يكون مؤلفو الكتب الخاصة بالتربية الاجتماعية والوطنية والدينية على اطلاع كاف على مسائل حقوق الإنسان من الزاوية العلمية. نوصي بضرورة عرض كتب تلك المادة على المنظمات الاردنية لحقوق الإنسان، أو على خبراء في مجال حقوق الإنسان لإبداء ملاحظاتهم عليها قبل إقرارها وتوزيعها.

6ـ ضرورة إيلاء إهتمام كبير لتكوين وتدريب معلمي مبحثي التربية الاجتماعية والوطنية والدينية على تعليم حقوق الإنسان في مرحلة التعليم الثانوي. نوصي بالاسراع في إعداد دليل المعلم لكتابي “الثقافة العامة / الإنسان” و “الثقافة العامة / العالم ” ـ بعد إعادة النظر في العديد من النصوص الواردة فيهما، وإعادة وحدة “برهان المنطق” الى كتاب “الثقافة العامة / الإنسان” ـ كما هو مقرر في المنهاج الموضوع.

حرص الباحث، ضمن المدة المحددة والقصيرة المخصصة لإعداد هذه الدراسة (نحو ثلاثة اسابيع فقط) على ان يراجع عددا” من الكتب المدرسية الاساسية المتداولة في العام الدراسي 2005 /2006 ، وذلك لكي يقف على أية تعديلات اوتطورات ادخلت على تلك الكتب من اجل ان تستوعبها هذه الدراسة او تشير إليها على الاقل. لقد تمت مراجعة 17 كتابا” من قبل الباحث في ظل ظروف لم تكن عادية (14) !

ومع إبداء التحفظ اللازم لان المراجعة لا تغطي جميع الكتب، فمن الملاحظ حدوث تطورات إيجابية عديدة وهامة على بعض كتب التربية الوطنية والاجتماعية واللغة العربية ؛ نجد تحسنا” ملحوظا” للمادة وتركيزا” على بعض الجوانب المرتبطة بحقوق الإنسان كالديمقراطية والمواطنة والتعريف بالاعلان العالمي لحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل.. وتوجها” لربط الطالب بالتكنولوجيا الحديثة كمصدر للمعرفة وللثقافة، بما فيها ثقافة حقوق الإنسان. وشملت التحسينات ايضا” الناحيتين التربوية والشكلية (طباعة وإخراج جذابين وجميلين مع الإكثار من الصور الملونة والإطارات … ).

من جانب آخر، تلاحظ المراوحة في المكان نفسه فيما يتعلق بكتب الثقافة العامة والثقافة الاسلامية ؛ لقد استعرضنا قبل قليل بعض الامثلة المستقاة من كتاب “الثقافة العامة”. إلى جانب ذلك، لا يزال كتاب “الثقافة الاسلامية” ل “مرحلة التعليم الثانوي الشامل” يتضمن نصا” يذكر بان من “حق” الزوج ان يضرب زوجته “ضربا” غير مبرح بحيث لا يترك أثرا” ولا يهين الكرامة، إذ المقصود من الضرب الاصلاح لا الايذاء” (الصفحة 275 من الكتاب / طبعة 2005).

مثال آخر : عند تعداد أنواع “القصاص” يذكر الكتاب المشار إليه بان من بينها “الجلد” (ص 352)، علما” بان هذه العقوبة قد الغيت في القانون الجديد لمراكز الاصلاح والتأهيل.

وفقا” لمصادر وزارة التربية والتعليم، هناك كتب مدرسية هي الآن قيد المراجعة، من ضمنها كتاب “الثقافة العامة” و كتاب “الثقافة الاسلامية” للمرحلة الثانوية.

أخيرا”، يلاحظ تراجع في بعض الجوانب ؛ على سبيل المثال، لقد كان الدرس السادس من كتاب “التربية الوطنية والمدنية” للصف العاشر (طبعة 2004). مخصص ل “المنظمات والهيئات العاملة في مجال حقوق الإنسان في الاردن”. لكن هذا الدرس حذف في طبعة 2005 للأسف الشديد. وكان بالامكان الاحتفاظ به ـ على سبيل المثال ـ على حساب درس عن “الديمقراطية” التي تكررت دروس كثيرة حولها في كتب عدة.

مع ضرورة الاخذ بعين الاعتبار التطورات التي استجدت على بعض الكتب ، وهي بمعظمها إيجابية، نعتقد بان الملاحظات والتوصيات الواردة في الدراسات التي أجراها المعهد العربي لحقوق الإنسان عن الكتب المدرسية الاردنية لا تزال صحيحة وصالحة في جوهرها ؛ نوصي بدراستها والاستفادة منها، خصوصا” لدى وضع كتب جديدة أو إدخال تعديلات عليها.

إن المجال لا يتسع هنا للبرهنة على ذلك ؛ إذ ان هناك الكثير من الامثلة ، غير تلك التي عرضت، والمستمدة من كتب العام الدراسي 2005/2006 التي تؤكد الاستنتاج المذكور أعلاه.

ربما يكون هناك حاجة لعقد ورشة عمل متخصصة ومخصصة فقط لمناقشة مضمون الكتب المدرسية ، يشارك فيها واضعو الكتب وتربويون وخبراء من اليونسكو والمركز الوطني لحقوق الإنسان والمنظمات الاهلية الاردنية العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.

لقد استعرضنا حتى الآن جهود وزارة التربية والتعليم من اجل تعميم تعليم حقوق الإنسان، وتوقفنا مليا” عند الكتب المدرسية والدراسات التي تناولت هذه الكتب لما لذلك من أهمية فائقة في عملية التعليم. ولا شك بأن دور وزارة التربية والتعليم مركزي في هذه العملية، إلا أنه برز أيضا” دور للمنظمات الاهلية الاردنية، ومؤخرا” للمركز الوطني لحقوق الإنسان، في هذا المجال. وفيما يلي استعراض لجهود هذه الهيئات:

* المركز الوطني لحقوق الإنسان

بدأ المركز بممارسة نشاطاته في حزيران 2003 ؛ ومنذ ذلك الحين، تعتبر “وحدة التوعية والتثقيف” واحدة من بين ثلاث وحدات اساسية يقوم عليها المركز الى جانب “وحدة الشكاوى والخدمات القانونية” و”وحدة الأبحاث والتوثيق”. خلال العامين والنصف الماضيين قامت وحدة التوعية بنشاطات عديدة في هذا المجال، إلا أن ما يهمنا هنا هوما له علاقة بتعليم حقوق الإنسان.

أبرز هذه النشاطات كان تنظيم دورة تدريبية حول التعليم والتربية على حقوق الإنسان في المدارس، خلال الفترة من 19 ـ 22 كانون الثاني (يناير) 2004. وقام بالتدريب خبيرة من هيئة حقوق الإنسان في نيوزيلندا هي د. جيــل كرسب (Dr. Jill Chrisp). وشارك في الدورة موظفو المركز من الوحدات الثلاث، وهدفت الى إعطائهم الفرصة للتعرف على ماهية التعليم والتربية على حقوق الغنسان من حيث النظرية والتطبيق ؛ وكذلك تطوير قدراتهم للمشاركة في عملية تطوير التعليم والتربية على حقوق الإنسان في الاردن. والملاحظان وزارة التربية والتعليم قد اعتذرت عن المشاركة في تلك الدورة.

أعقب هذه الدورة عقد مائدة مستديرة حول “واقع التعليم والتربية على حقوق الإنسان في المدارس الاردنية”، بتاريخ 26 ـ27 كانون الثاني (يناير) 2004، وشارك فيها إثنان وثلاثون شخصا” يمثلون وزارة التربية والتعليم واليونسكو واليونيسيف والاونروا والعديد من ممثلي المنظمات الاردنية الاهلية العاملة في مجال حقوق الإنسان، بالاضافة الى الخبيرو النيوزيلاندية المذكورة.

قام المركز، بالتعاون مع وزارة التربية بتنظيم محاضرات لتوعية تلاميذ الصفوف الابتدائية بحقوق الطفل وذلك على إمتداد شهري نيسان وآيار 2005 وذلك بمعدل ساعتين الى ثلاث ساعات يوميا”.

أخيرا” وبمناسبة ذكرى صدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، نظم المركز في 10/12/2004 ندوة حول “تعليم حقوق الإنسان”، بحضور مسؤول كبير من وزارة التربية والتعليم، قدمت فيها عدة اوراق عمل حول الموضوع من أبرزها ورقة الاستاذ سامي قاقيش المشار إليها سابقا”.

** مساهمة المنظمات الاردنية الاهلية في تعليم حقوق الإنسان

لقد تم توزيع إستبيان على عشرين منظمة من منظمات المجتمع المدني الاردني وبعض المنظمات الدولية العاملة في الاردن، خصوصا” تلك التي تعمل في مجال حقوق الإنسان. استهدف الاستبيان التعرف بشكل تفصيلي على مدى الاهتمام بتعليم حقوق الإنسان لدى كل منظمة، والنشاطات والجهود التي قامت بها على هذا الصعيد، والفئات التي استهدفتها والاقتراحات التي تراها مناسبة لتطوير تعليم حقوق الإنسان، بما في ذلك المناهج والكتب المدرسية ( 15).

للأسف بعث عدد قليل من المنظمات بردوده على الاستبيان، ولذلك إضطررنا لإستكمال المعلومات بطرق مباشرة وأحيانا” بطرق غير مباشرة. من بين المنظمات الي بعثت بردودها : مؤسسة نهر الاردن، الجمعية الاردنية لحقوق الإنسان، مركز التطوير التربوي في وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا). وتوفرت معلومات كافية عن جهود ونشاطات مجموعة منظمة العفو الدولية في الاردن ومجموعة “ميزان”.

تؤكد جميع هذه المنظمات بأن التربية على حقوق الإنسان يقع ضمن نطاق اهتماماتها ؛ وذكرت الجمعية الاردنية لحقوق الانسان بأن “نشر ثقافة حقوق الإنسان والتوعية بها” منصوص عليه في البند الخاص بأهداف الجمعية من نظامها الاساسي.

وحول المواد التي يتم التركيز عليها، ذكر معظم المنظمات الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، الاتفافية الدولية لحقوق الطفل والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة . وهناك اهتمام لدى البعض بحقوق اللاجئين وبالحق في حرية التعبير وإحترام الرأي والرأي الآخر (كمنظمة “العفو” مثلا”)، التسامح، حل النزاعات والتواصل اللاعنفي(الاونروا).

يستفاد من نتائج الاستبيان بأن الفئات التي تتوجه إليها تلك المنظمات هي الطلبة والمعلمون والمدراء والمشرفون التربويون وذوو الاطفال والمجتمع المحلي.

أما الاشكال التي تتخذها النشاطات فتتراوح ما بين المحاضرات والدورات التدريبية وورشات العمل واستخدام الفنون لأغراض تعليمية (مؤسسة نهر الاردن ، مجموعة منظمة العفو)، وإدماج مفاهيم حقوق الإنسان بالمواد التدريسية (مركز التطوير التربوي / الاونروا)، واللجوء الى الحملات الاعلانية (مؤسسة نهر الاردن).

وأصدرت بعض المنظمات كتبا” تربوية مثل كتاب “تعلم حقوقك وعلمها” الذي أصدرته الجمعية الاردنية لحقوق الإنسان، أو الحقائب التدريبية التي أعدتها مؤسسة نهر الاردن (“دليل الفنون في حماية الطفل” و”دليل تدريب المدربين”)، أو توزيع كراس صغير يتضمن الفصل الثاني من الدستور الاردني “حقوق الاردنيين وواجباتهم” ـ كما فعلت مجموعة “ميزان”. وكذلك القيام بإبحاث ودراسات (الجمعية الاردنية لحقوق الإنسان ومركز التطوير التربوي للاونروا).

أظهرت نتائج الاستبيان بأن العديد من النشاطات تتم وفقا” لبرامج أو مشاريع معدة مسبقا”. ويتضح بأن استمرارية هذه البرامج يتوقف على الموارد والامكانيات المادية التي تتوفر للمنظمات. ويثير البعض “بنية المجتمع التقليدية” كعامل لا يساعد دائما” على توسيع وتطوير الجهود في مجال تعليم حقوق الإنسان.

على صعيد آخر، تؤكد الاجابات الواردة على الاستبيان بأن بعض المنظمات يتابع قياس أثر نشاطاته في المجال من خلال توزيع إستبيانات، في حين أن البعض الآخر يتابع ذلك الأثر بالملاحظة المباشرة (…) أو بمتابعة العلاقة مع المعلمات والمعلمين الذين اجتازوا دورات تدريبية على تعليم حقوق الانسان.

كانت أبرز الاقتراحات التي وردت في الردود على الاستبيان هو الاهتمام ببناء الانشطة المرتبطة بمفاهيم حقوق الانسان وعقد دورات تدريبية للمعلمين وللمعلمات وللمشرفين التربويين. وأخيرا” ضرورة استطلاع آراء الطلبة والمعلمين أنفسهم حول مضامين الكتب ومدى ملائمتها لتدريس حقوق الانسان. وبالنسبة لمنظمة العفو الدولية فإن من بين أهداف مجموعتها “قياس مهارات الطلبة التي تجعلهم قادرين على ممارسة أنشطة الدفاع عن حقوق الانسان وملاحقة انتهاكاتها”.

لا تعطي نتائج الاستبيان قطعا” صورة شاملة عن النشاطات التي يقوم بها قطاع المنظمات الاهلية في هذا المجال. وبعض هذه النشاطات متقدم بصورة تلفت الانتباه، وتعكس اهتماما” عميقا” وجديا” بالموضوع. على سبيل المثال، عقدت منظمة العفو الدولية ورشة عمل لمدة يومين في عمان حول تعليم حقوق الانسان، منتصف أيلول 2005، بمشاركة نحو عشر منظمات اردنية غير حكومية وشبه حكومية، الى جانب ممثلين عن وزارة التربية والتعليم والمركزالوطني لحقوق الانسان. وخرجت ورشة العمل هذه بنتائج هامة، من بينها الاتفاق على انشاء “شبكة وطنية لتعليم حقوق الإنسان”، ومع ذلك فإن وسائل الاعلام لم تتطرق إليها إلا بشكل عابر.

بالرغم من تعاون وزارة التربية والتعليم مع العديد من المنظمات الاهلية، فإن بعضها يشكو من غياب هذا التعاون، بل ويتذمر مما يسميه “تجاهل” مبادراتها وجهودها. على سبيل المثال، عندما أصدرت الجمعية الاردنية لحقوق الانسان كتايها التربوي “تعلم حقوقك وعلمها” عام 1999 طلبت رسميا” من وزارة التربية والتعليم، من خلال كتاب موجه الى الوزير ومرفقا” معه خمس نسخ من الكتاب، السماح لها بتيسير بيع نسخ منه في مدارس المملكة، لضمه الى مكتباتها ولكي يستفيد المعلمون منه ؛ إلا ان الوزارة تجاهلت الأمر تماما” ـ وفقا” لما أكده مسؤولو الجمعية المذكورة.

أخيرا” تجدر الاشارة الى تأسيس “الجمعية الاردنية للتربية المدنية” عام 2003، ولكن لا يعرف الشئ الكثير عن أعمالها ونشاطاتها.

** تقييم واقع تعليم حقوق الإنسان آفاق، تساؤلات، إقتراحات

بدأت وزارة التربية والتعليم في العمل على دمج مفاهيم حقوق الإنسان في النظام المدرسي منذ عقد مضى عمليا”. وجاء هذ الدمج في إطار المنهج العام المقرر، اي أن يكون تدريس حقوق الإنسان على صلة بالمواد الاخرى كافة، وليس منفصلا” عنها ـ وهو التوجه الذي كانت قد دعت إليه منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) في مؤتمرها في مالطا عام 1987 وفي مؤتمرات أخرى لاحقة. إلى جانب ذلك قامت وزارة التربية بتنفيذ برامج عديدة لتعزيز تعليم حقوق الإنسان. أما آخر الخطوات المهمة فيتمثل في العمل الجاري حاليا” على إدماج “رسالة عمان” في الكتب المدرسية، وهو الأمر الذي سيعزز روح التسامح والانفتاح والسلام والديمقراطية، ويبرز الوجه الحقيقي للاسلام.

تستحق وزارة التربية والتعليم التقدير على خطواتها تلك ـ بالرغم مما شابها من تعثر وأخطاء في التطبيق ـ لأنها ستساهم ولا شك في عملية التطوير الثقافي والاجتماعي والسياسي للاجيال الحالية والقادمة، اي للمجتمع الاردني على المدى البعيد. وهي فضلا” عن ذلك تنسجم مع توجهات الدولة والمجتمع الاردنيين في مرحلتهما الجديدة، المتزامنة مع دخول العالم القرن الحادي والعشرين، المتميز بإنفجار المعلومات والمعرفة والاتصالات والتكنولوجيا وتزايد الاهتمام بحقوق الإنسان.

لقد عرضنا في بداية الفصل السابق كيف ترجمت وزارة التربية والتعليم سياستها وبرامجها في مجال حقوق الإنسان. وقد استشهدنا في سبيل ذلك بدراسات وضعها موظفون في الوزارة، في حين أنه ربما كان أكثر فائدة وموضوعية وحيادية لو أن إعداد مثل تلك الدراسات جاء على يد باحثين من خارج الوزارة (16). ويبدو أنه لا تتوفر أيضا” تقارير عن كيفية ومدى إنجاز البرامج الموضوعة ومخرجاتها. ولم تتسنى الفرصة الكافية للباحث ـ نظرا” لقصر الوقت المحدد للقيام بهذه الدراسة ـ للاطلاع على كتب “دليل المعلم” التي تشرح طريقة إعطاء الدروس ولا لإجراء مقابلات ميدانية مع طلبة ومعلمين من مدارس مختلفة، أللهم إلا بحدود ضيقة، لإخذ فكرة ملموسة عن الطريقة التي تدرس فيها الفقرات الواردة عن حقوق الانسان في بعض الدروس وعن مدى استيعابها من جانب الطلبة (17).

لاحظنا أيضا” من خلال الفصل السابق بأن التطبيق الفعلي قد جاء غير منسجم في كثير من الاحيان مع السياسات والبرامج الموضوعة، فالعبرة في النهاية هي في وصول تعليم حقوق الإنسان بصورة صحيحة ونقية الى المعني بها اساسا” وهو الطالب.

لا نريد أن نكرر ما جاء في خلاصات وتوصيات الدراسات التي قام بها باحثون اردنيون، بتكليف من المعهد العربي لحقوق الإنسان ؛ فهذه الخلاصات هي بحد ذاتها تقييم لا يزال، وفقا” لنتائج المراجعة الجديدة التي اجريناها، ينسحب في جزء هام منه على الوضع الحالي للكتب المدرسية. واستعرضنا أمثلة عديدة على ذلك.

يبدو أن عملية الدمج التي أشرنا إليها في البداية لم تتوقف أمام حصيلة الجهود الدولية والاقليمية والمحلية التي بذلت على مدى سنوات طويلة في هذا المجال. ولذلك خضعت التجربة لقانون الخطأ والصواب، ودخل الى الكتب المدرسية، في بعض الاحيان، ولا يزال خليط متنافر من النصوص المفترض انها تعكس مفاهيم حقوق الإنسان.

والحال، أنه كان بالامكان تقليل الاخطاء التي وقعت في المرحلة السابقة، والتي لا تزال ترتكب في المرحلة الحالية، والتخفيف من حدتها لو تم استيعاب أدبيات التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية، سواء على المستوى العربي أو العالمي، والاستفادة من نتائج دراسات المعهد العربي المشار اليها(18). ونعتقد بأن هذه المهمة لا تزال مطلوبة من القائمين على التربية والتعليم، وبالخصوص المشرفين على وضع المناهج والكتب المدرسية ومؤلفيهاـ إذا ما اريد لتعليم حقوق الإنسان أن يتطور في المراحل القادمة.

من المؤلم ان نستنتج احيانا”، استنادا” الى عملية تفحص وتحليل دقيقين، بأن إعداد المناهج والكتب يتم في حلقات ضيقة وبصورة غير ديمقراطية (19)، وأحيانا” على أيدي أشخاص لا تتوفر فيهم الكفاءة والتأهيل الكافيين ولا الدقة العلمية والفكرية المطلوبة و لا الانفتاح الضروري على الآخر. إن كون الكتب التي يؤلفها أولئك هي مصدر اساس لثقافة عشرات بل آلاف المئات من الطلبة كل سنة يفرض عليهم التحلي بأقصى درجات الدقة والموضوعية والمسؤولية، لأنهم يضعون اللبنات الاساسية في بناء عقل الطالب.

إن تعليم حقوق الإنسان ليس مجرد “توصيل” معلومات أو مفاهيم نظرية مجردة، بل هو حياة وممارسة قبل أي شئ آخر، وهي عمليا” تحضير لحياته القادمة. فالمعلم الذي يشرح لتلاميذه درسا” في “حرية التعبير”، ثم يقمع تلميذا” يرفع يده مستئذنا” إبداء رأيه، لن ينجح في “إفهام” الدرس لتلاميذه، ولا في تعديل سلوكهم بإتجاه الانسجام مع مبادئ حقوق الإنسان.

وتؤكد جميع النظريات التربوية على الدور الاساسي الذي تلعبه “القدوة”، وتأثير سلوك المعلم على الطالب في العملية التعلميةـ التعليمية. وإذا لم يستهدف تعليم هذه الحقوق التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الاساسية، فإنه يفقد الكثير من مفعوله.

يكاد “الحق في التعليم” أن يندمج في “تعليم هذا الحق”، ومن هنا يتعين تفحص مدى فعالية تعليم حقوق الإنسان من خلال التفكير بجملة من القضايا وطرح التساؤلات التالية :

1) كيف يمكن الإطمئنان الى فعالية ذلك التعليم في ظل تنامي مظاهر العنف في المدارس، حسب إحصائيات صادرة عن وزارة التربية والتعليم نفسها (20)، وعلى نطاق أوسع هو العنف الاسري الذي بات يقلق هيئات رسمية واهلية عديدة في المجتمع ؟

2) كيف يمكن إقناع الطلبة والمعلمين والمجتمع بجدوى ذلك التعليم في ظل الاستمرار بمنع المعلمين في القطاع الحكومي من تشكيل نقابة تدافع عن حقوقهم ومصالحهم، ومن تشكيل جمعيات تربوية متخصصة (للغة العربية، للتربية الوطنية والمدنية، للعلوم ..) للنهوض بالتعليم بمستوياته المختلفة، وبمنع الطلبة من تشكيل اتحاد طلابي عام يعبر عن إرادتهم المستقلة ويدافع عن قضاياهم ـ كما هو الحال في الغالبية العظمى من بلدان العالم ؟

3) كيف للمعلم أن يدرﱠس حقوق الإنسان بصورة حية في الوقت الذي لا يحصل هو نفسه فيه على العديد من حقوقه، وفي مقدمتها تأمين الحد الادنى من العيش الكريم له ولأسرته ؟ ألا يعتبر تدني المكانة المعنوية والادبية للمعلم في المجتمع ـ كما هو جار في الوقت الحاضر ـ ذات تأثير سلبي على “الرسالة” التي يؤديها ؟ ألا تؤثر طبيعة وشخصية المعلم والعوامل المؤثرة بها على تهليم حقوق الإنسان؟

4) هل يمكن عزل نجاح أو فشل تعليم حقوق الإنسان عن البيئة التي تجري فيها العملية التربوية والتعليمية ؟ فعندما تكون الاساليب الديمقراطية هي السائدة في البيئة المحيطة بالتعليم، فإن النجاح سيكون حليف تعليم حقوق الإنسان، والعكس صحيح !

5) هل تساعد المرافق والخدمات المدرسية القائمة على توفير أجواء مؤاتية للعملية التعليمية (أكتظاظ الصفوف، ارتفاع اسعار الكتب المدرسية بالنسبة لقطاع الفقراء، عدم وجود تدفئة في الشتاء أو تكييف في بعض المناطق صيفا” .. ) ؟

6) ألا تؤثر طرق التدريس السائدة والقائمة بشكل اساسي على التلقين والحفظ على فعالية تعليم حقوق الإنسان ؟ اليست حاجة المجتمع الفعلية هي لتنمية الفكر الناقد لدى الطلبة ؟

7) أخيرا”، وليس آخرا”، فالكتاب المدرسي لم يعد هو المصدر الوحيد للمعرفة وللاطلاع في عالم المعلومات المفتوح على مصراعيه الذي نعيش فيه ويعيش فيه الشباب بشكل خاص. كيف سيكون رد فعل الطالب عندما يستمع أو يشاهد أو يقرأ عن “تدني مستوى الحريات والحقوق وضعف حرية التعبير، وتغلغل الفقر والبطالة والفساد” في بلده، والذي تتحدث عنه نقابات وأحزاب وشخصيات نيابية ووسائل إعلام ومنظمات حقوق الإنسان الاردنية ـ بل وحتى تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاعلى للاعلام، ناهيك عن منظمات دولية ـ في حين أن الكتب المدرسية تتحدث عن الديمقراطية والحرية والتنمية الاقتصادية والعدل، وكأنها في غاية الكمال ؟!

إن طرح هذه القضايا والتساؤلات المرافقة لها لا يستهدف الطعن بصدق وأهمية الجهود المبذولة على صعيد تعليم حقوق الإنسان. إن المجتمع الذي يعاني قسم هام من ابنائه من الفقر والبطالة وإنسداد آفاق التنمية وتغليب “الأمن” على الحرية، وتعرض قطاع واسع من شبابه لما يطلق عليه “ثقافة الميكروباص” التجهيلية والانغلاقية، هو في الواقع بامس الحاجة الى تعليم أفضل لحقوق الإنسان، ليس فقط في إطار النظام المدرسي بل وخارجه ايضا”. إن إبراز هذه الحقيقة هو الهدف من طرح التساؤلات الآنفة الذكر. إن اي تعارض صارخ بين تعليم الحقوق وواقع هذه الحقوق يقلل من مفعوله، أو يحوله الى مجرد “دروس للحفظ” والاسترجاع من اجل النجاح في الامتحان !

وكتأكيد على صحة هذه المقولة، يجدر بنا أن نتفحص “مفعول” ونتائج جميع الجهود التي بذلت ولا تزال تبذل، ليس فقط على صعيد تعليم حقوق الإنسان، بل على صعيد مؤسسات الدولة والمجتمع المدني ككل. تشير نتائج استطلاعات الرأي العام التي يجريها مركزالدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية، وهي صورة مصغرة لحالة المجتمع الاردني، الى أن نحو 78 % من المستطلعين لا يجرأون على إنتقاد الحكومة خشية أن يلحق بهم عقاب أو ضرر معيشي ! وتؤكد أغلبية كبيرة بانها لا تنتمي الى احزاب سياسية أو نقابات بسبب عداء الدولة للاحزاب خلال فترة طويلة من تاريخ البلاد ولضعف الاحزاب الحالية. وتعتقد أيضا” نسبة هامة من الرأي العام بان حرية التعبير والصحافة ضعيفة في الاردن (21).

ومما يضاعف من الحاجة الى تعليم صحيح لحقوق الإنسان هيمنة النمط الابوي في العلاقات الاجتماعية والسياسية، بديلا” عن المواطنة القائمة على كرامة الفرد وحقوقه وواجباته، خصوصا” وان البرامج الحكومية كانت تركز على “التنمية السياسية” في السنوات الاخيرة.

أخيرا” بقيت ملاحظة هامة جدا” نرجو أن تدرس بعناية شديدة. إن أسباب ضعف تعليم حقوق الإنسان في الاردن، وفي اقطار عربية اخرى، تعود الى تضارب المرجعيات الفلسفية في مجال حقوق الإنسان ؛ إذ تصطدم النصوص العالمية والمواثيق الدولية والاقليمية في بعض الاحيان بمرجعيات دينية ومذهبية، وهو ما يؤدي الى جعل درس حقوق الإنسان مؤسسا” على منطق المجابهة والعداء بين الدولي (الامم المتحدة) والقومي والديني. وينقلب الأمر برمته الى عملية سياسية دعائية تخدم التطرف والتعصب الديني والقومي في الاتجاهين وبالعكس. وفي هذا الاطار، نرجح بأن من بين الصعوبات القائمة بوجه تعليم حقوق الانسان هو وجود عناصر اساسية مؤثرة في الجهاز التعليمي الاردني تبرر عدم الالتزام الكامل والتام بمبادئ حقوق الإنسان الواردة في الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف الدولة الاردنية.

إننا نعتقد بضرورة التوصل الى صيغة من التوازن المعقول بين متطلبات التعليم الوطني المستند الى قانون التربية والتعليم من جهة، والالتزامات الدولية للاردن في مجال حقوق الانسان من جهة اخرى. **

الاقتراحات

إن نشر ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع هو مشروع تاريخي هام ؛ ومن الطبيعي أن يبدأ بتعليم الحقوق للاجيال الشابة، فهي الاكثر تقبلا” لهذه الثقافة والأكثر استعدادا” للتجاوب معها وترجمتها في الواقع والممارسة. ومن المفترض أن تلعب مصفوفة حقوق الإنسان التي أقرها مجلس التربية والتعليم دورا” بارزا” في قطع خطوات الى الامام. ومن اجل تطوير هذا التعليم في مدارسنا وتحسين نوعيته وتحقيق الاهداف المرجوة منه، فإننا نتقدم بالمقترحات التالية :

1) السعي لإدخال الديمقراطية الى العملية التربوية بحيث تمارس على المستويات كافة، بدءا” بمقر الوزارة وإنتهاء” بالفصل المدرسي. إن تكريس انتخاب عريف الصف ومجلس الصف ومجلس المدرسة واتحاد الطلبة، وتفعيل دور مجلس أولياء الامور والمعلمين هي أمثلة على خطوات اخرى كثيرة يمكن ان تتخذ على هذا الصعيد.

2) الاهتمام بإدخال مفاهيم أولية عن حقوق الإنسان الى ما قبل المرحلة الاساسية، اي مرحلة رياض الاطفال حيث لا يبدو بأن هذه المرحلة قد نالت حقها من الاهتمام والعناية.

3) مراجعة المناهج والكتب بصورة دورية بهدف تلافي الاخطاء وتصحيحها من جهة والسعي الى التحسين المستمر من جهة اخرى. وفي هذا الاطار حبذا لو تطبق توصية اليونسكو القاضية بتقديم تقارير وطنية حول التقدم المسجل في مجال تعليم حقوق الإنسان مرة واحدة كل ست سنوات.

4) العمل على إدخال دروس في الفلسفة ضمن المنهاج، نظرا” للعلاقة الوثيقة بين ثقافة حقوق الإنسان وهذه المادة التي ـ للتذكير ـ كانت تدرس في المدارس الاردنية قبل ثلاثة عقود من الزمان، وكانت نتائجها ظاهرة للعيان من خلال بروز أجيال من قادة الفكر والاقتصاد والسياسة والثقافة في البلاد، والذين اسهموا بفعالية في توفير القيادات و بناء نهضة الاردن.

5) إعادة النظر في طريقة التدريس السائدة في المدارس والقائمة على الحفظ والتلقين والتسميع و “البصم”، واستبدالها بطرق تقوم على الحس الناقد والتفكير والفهم والنقاش، وإطلاق العنان لحرية التفكير عند الطلبة لكي يعبروا عن أنفسهم بحرية ومناقشة أفكارهم.

6) التعريف بالموروث الثقافي العربي الاسلامي في مجال حقوق الإنسان، ك “حلف الفضول” مثلا” ]اول “منظمة” ـ بصورة جنينية ـ للدفاع عن حقوق الإنسان في التاريخ البشري، ولدت في الجزيرة العربية. وبارك الرسول محمد (ص) حلف الفضول[ ، أو أشعار بعض المتصوفين من ذوي النزعة الانسانية، كالشاعر والفيلسوف إبن عربي على سبيل المثال.

7) التعريف بالمزيد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، مثل مدونة قواعد الحد الادنى للتعامل مع السجناء الصادرة عن الامم المتحدة عام 1955، أو الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب أو إتفاقيات جنيف الاربع والمتعلقة بمعاملة السكان المدنيين في زمن الحرب والاحتلال. كما ان هناك حاجة لتوعية الطلبة بالحق في التنمية بالنسبة لشعوب العالم.

8) الاهتمام بعقد دورات تدريب للمعلمين حول ضرورة التربية على حقوق الإنسان [أمــــان]

مركز الدراسات- أمان – http://www.amanjordan.org/aman_studies – دراسات

المشاركة